تحليل الصراعات الاستراتيجية والمفاوضات

يقول رابوبورت (Rapoport, 1974) أن الصراعات تأخد واحداً من ثلاثة أشكال: قتال، أو مباراة، أو مناظرة (Fights, Games, or Debates). القتال يمثل حالة الصراع التي يهدف فيها كل خصم الى الاضرار بخصمه كإصابته لإعاقته أو قتله. والمباراة او التباري أو اللعبة هي الحالة التي لايكون في الصراع عنف جسدي لكن يهدف فيها الخصوم الانتصار على بعضهم، بمال، جائزة، نفوذ، وما الى ذلك دون العنف الجسدي. والتناظر، أو المناظرات، هي الحالة التي يهدف فيها الخصوم بالاقناع بوجهة نظرهم وطرح الآراء المختلفة. بعض الصراعات (ومنها المفاوضات) قد تأخد عدة اشكال فقد تبدأ بمناظرة ثم مبارزة ثم قتال.

وقال آموس (Amos) في عام ١٨٨٠ أنه بتقدم الحضارة المدنية، فإن الصراعات البشرية ستتوجه لتكون من نوع المباريات (ألعاب) (Games) ومناظرات (Debates) ويقل فيها القتال (Fights).

اليوم بعد أكثر من ١٠٠ عام على نبوءة آموس، يقول بايبر (Pieper, 2008) أنه بالرغم من أنه القتال لم يتوقف في العصر الحالي، إلا أن القتال اصبح يميل الى الاستراتيجية أكثر من كونه جسدي. وبذلك يصبح القتال ليس مجرد عنف جسدي بل لعبة ذات عمق استراتيجي.

ماهو الصراع أو النزاع
الصراعات التي تهمنا في هذا المقال، هي الصراعات الاستراتيجية، التي سيتم تعريفها والمرور ببعض وسائل تحليلها. وهذا يستثني صراعات العلاقات الانسانية كعدم توافق فرق العمل واختلافات الموظفين، أو الخلافات الأسرية. ونستثني أيضاً الصراعات أحادية الجانب، مثل صراع الانسان بين الخير والشر، أو صراعه مع نفسه وأفكاره وماوراء ذلك.

الصراع (Conflict) ظاهرة معقدة وتعتبر من أصعب أنواع صناعة القرارات (Jeong et al., 2008). صناعة القرار يدرس في الجامعات من عدة جوانب، اخص منها المبنية على نظريات رياضية وهندسية. ومن ذلك مايهدف للوصول للحل الأمثل (Optimization) ومن المواد الشائعة في الإدارة والاقتصاد، وفي الهندسة وعلوم الادارة، مايسمى ببحوث العمليات (Operations Research) وهو علم باختصار يستخدم طرق تحليلية متقدمة لتحسين عملية اتخاذ القرارات.

تعتبر الصراعات من اصعب حالات الدراسة في اتخاذ القرارات لتعدد اهداف القرار وتعدد اصحاب القرار. صناعة القرار لفرد أو جهة واحدة لها هدف أو عدة أهداف، اسهل من تحليل وصناعة القرار في حالة وجود أهداف متناقضة من عدة خصوم لا يجمعهم بالضرورة اهداف مشتركة.

الصراع هو تناقض، التناقض قد يكون كاملاً بين اهداف طرفي الصراع وقد يكون جزئي. تحقيق الهدف في الصراع ليس بالضرورة حدي، بمعنى، ليست النتيجة ثنائية بالضرورة إما تحقيق الهدف وإما لا، بل تحقيق الهدف قد يكون جزئي والدافع للاستمرار في محاولة الوصول للهدف متغير حسب القرب والبعد من الهدف. وبناءً عليه هناك درجات أو مستويات للوصول للهدف وبهذا يمكن أن يحصل تقاسم بين المتخاصمين في الصراع. حيث يحقق كل منهم جزء من مراده ويقبل التنازل عن جزء اخر في سبيل انهاء الصراع.

الخصوم في الصراع قد يكونوا افراد، أو شركات، منظمات، حكومات .. الخ. أو مجموعات من واحد او اكثر من الانواع السابق ذكرها. الصراع الاستراتيجي، هو حالة الصراع بين طرفين أو أكثر لكل واحد منهم القدرة على اتخاذ قرار واحد على الاقل.

طرق التمثيل الرياضي

في الرياضيات التطبيقية، يندرج التمثيل الرياضي للصراعات تحت نظرية الألعاب أو المباريات (Game Theory) وتحديداً تحت فرع نظريات الألعاب غير التعاونية (Non-Cooperative Game Theory). التمثيل الرياضي أو النموذج الرياضي (Mathematical Model) للصراعات ولأي ظاهرة طبيعية، هو ملخص للظاهرة يهتم بالعناصر الرئيسية للنزاع وتفاعلات هذه العناصر وديناميكيتها وصولاً للحل أو الحلول الممكنة. هناك عدد من النماذج الرياضية لمحاكات حالات الصراع والتفاوض والمنافسة، ولها تطبيقات اقتصادية وتجارية وسياسية واجتماعية. لكل نموذج مميزات وعيوب وبعضها يتفوق في حالات دون أخرى.

باستخدام النظرية الكلاسيكية للالعاب (Classical Game Theory) يمكن تمثيل الصراعات عن طريق يسمى (Normal form) وهو عبارة عن مصفوفة صغيرة تمثل الأعمدة فيها استراتيجية طرف والصفوف الطرف الآخر. كل خانة مقابلة في المصفوفة تعبر عن قيمة المنفعة لكل طرف حسب استراتيجيات العمود والصف المقابلة.

الطريقة الثانية يمكن تعريبها باسم “النموذج الموسع” أو “النطاق العريض” وهو معروفة علمياً باسم (Extensive form) وتشبه بالرسم الشجري حيث يتفرع من كل قرار كل ردود الفعل الممكنة للخصوم حتى الوصول لاصغر قرار ممكن. هذه الطريقتين تم تقديمها وتعريفها رياضياً بواسطة عالم الرياضيات ڤون نيومان وعالم الاقتصاد مورجنستيرن (Von Neumann and Morgenstern, 1944) في كتابهم الشهير الذي وضعوا فيه أصول نظريات الألعاب باسم نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior).

وهناك نموذج القرار (Option form) الذي اقترحه هوارد (Howard, 1971) في كتابه معضلات (أو مفارقات) العقلانية: الألعاب والألعاب “التتابعية” والسلوك السياسي (Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior) وهو يتيح مميزات منها العرض الكامل للصراع في جدول صغير مقارنة بالنموذج الموسع، بالإضافة لعدم اعتماده بالضرورة على قيمة المنفعة (Utility Value). وهوارد عمل مستشاراً عسكرياً واقتصادياً ومستشاراً لصراعات في قضايا بيئية. وله نظريات اخرى لاحقة للتعامل مع الصراعات أهمها نظرية الدراما (Drama Theory) المختصة بتحليل المواجهات (Confrontation Analysis).

وهناك نوع أخير لتمثيل الصراعات، وهوأكثرها مرونة لتمثيل حالات مختلفة وعامة للصراعات، مايسمى بالنموذج الرسومي لحل الصراعات (The Graph Model for Conflict Resolution). بالرغم من أن بعض الأبحاث التي اقترحت فكرة النموذج الرسومي صدرت في الثمانينات الميلادية إلا أن أول كتاب صدر عام ١٩٩٣ بواسطة فانج وهايبل وكيلجور (Fang, Hipel, and Kilgour, 1993)، في كتاب اسمه صناعة القرارات التفاعلية: النموذج الرسومي لحل الصراعات (Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution).

فانج يعمل الآن أستاذاً للهندسة الصناعية بجامعة رايرسون (Ryerson University)، وهايبل أستاذاً في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو (University of Waterloo)، وكيلجور أستاذاً للرياضيات التطبيقية في جامعة ويلفرد لورييه (Wilfrid Laurier University). وجميها جامعات كندية تقع في مدن متقاربة. ومازالوا يعملون سوياً ضمن مجموعة بحثية في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو. يتميز النموذج الرسومي لحل النزاعات بأن يقدم الصراع على طريقة تحاكي لعبة الشطرنج. تشاهد في الرسمة تحرك اللاعب والتحرك المضاد. ويتميز بالمرونة في تمثيل أنواع مختلفة من التحركات تمثل قرارات استراتيجية مختلفة.

تحليل الصراعات
هناك عدة انواع لتحليل النزاعات، إما للوصول لحل للنزاع أو لاتخاذ قرارات سليمة اثناء حدوث الصراع. تعتمد طرق التحليل على طرق التمثيل الرياضي والرسومي المذكورة اعلاه. فلكل نوع طرق معينة للتحليل تتشابه وتشترك في المعنى بشكل كبير، وان كانت احياناً تختلف في تعريفها الرياضي. بعضها بسيط وسهل شرحه والاخر قد يكون معقداً الى حد ما.

احدى طرق التحليل أن تبحث عن ما اذا كانت هناك استراتيجية مهيمنة (Dominant) تمنح اللاعب أو متخذ القرار وضعاً أفضل مقارنةً بجميع استراتيجياته الأخرى. وهناك طرق أخرى تعتمد اكثرها على رؤية عدة خطوات في المستقبل. مثلاً، يحدد متخذ القرار النقطة المستقبلية التي يريد أن يصل اليها، ثم يعود للخلف ليرى ماهو الطريق الذي يقوده لها (Look forward and reason backward). وهناك الحل الشهير لجون ناش (John Nash) المعروف باسمه اتزان ناش (Nash Equilibrium) والذي يقول أن متخذ القرار مستقر في موقعه اذا لم يوجد له خيار أفضل.

مفهوم الاستقرار أو (Stability) في تحليل الصراعات هو قلب عملية التحليل والنمذجة الرياضية. هو النتيجة التي يبحث عن دارس الصراعات. يتم البحث والتحليل عن نقاط الاستقرار لكل متخذ قرار على حدة. ثم البحث عن النقاط التي يكون فيها جميع اللاعبين مستقرين وتسمى نقاط اتزان (Equilibrium Points) وهي تمثل حلول ممكنة للنزاعات. ليست بالضرورة أن تكون نقاط الاتزان مرضية لجميع الأطراف لكنها حسب ديناميكية الصراع تعتبر نقاط جامدة لايستطيع الخصوم التحرك منها.

خاتمة
المعلومات المذكور هنا تعطي فكرة مبسطة عن تحليل ونمذجة الصراعات ولاتعرض بالضرورة كل الانواع الموجودة. والاهتمام هنا محصور في الجانب الاستراتيجي دون جانب العلاقات الانسانية الذي يختلف مجاله عن التحليل الرياضي. ينقص هذا المقال أمثلة توضيحية للمفاهيم المذكورة. ربما اكتب تدوينات قادمة تكون كل واحدة مخصصة لمثال واحد حيث أن كتاب المثال الواحد طويلة وتتطلب فهم لخلفية النزاع سواءً كان منافسة تجارية، أو صناعية في قطاعات مثل الطاقة، أو بيئية. حيث أن الأمثلة المنشورة تطبيقتها في أوراق علمية كثيرة لاحصر لها.

المصادر مرتبة حسب ورودها في التدوينة

Rapoport, A. (1974). Fights, Games, and Debates. A publication from the Center for Research on Conflict Resolution, The University of Michigan. University of Michigan Press.

Amos, S. (1880). Political and Legal Remedies for War. Harper & Brothers, Franklin Square, New York.

Pieper, C. (2008). Decision theory and game theory. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict (Second Edition), pages 546 – 557. Academic Press, Oxford, second edition edition.

Jeong, H.-W., Lerche, C., and Susnjic, S. (2008). Conflict Management and Resolution. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict, pages 379 – 390. Academic Press, Oxford, second edition.

Von Neumann, J. and Morgenstern, O. (1944). Theory of Games and Economic Behaviour (Commemorative Edition). Princeton University Press.

Howard, N. (1971). Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior. MIT Press, Cambridge, Massachusetts.

Fang, L., Hipel, K. W., and Kilgour, D. M. (1993). Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution. Wiley, New York.

المخاطر الاستراتيجية

المنظمات والمؤسسات بل حتى الدول تقيم مخاطرها التقليدية لتتجنب اثارها السلبية أو التقليل منها في حال حدوثها. ما الفرق اذاً بين المخاطر الاستراتيجية والمخاطر العادية أو التقليدية؟

المخاطر التقليدية تقع ضمن أطر ممنهجة ومعروفة لدى الجهة المتعرضة للخطر. وغالباً تقع ضمن خانة المخاطر المتكررة التي قد تؤثر على الارباح أو النمو لفترات محدودة أو قصيرة تتبع دورات زمنية معينة. المخاطر الاستراتيجية، على الجانب الآخر، مخاطر مجهولة، غير ممنهجة، لايمكن غالباً استيعابها أو تقديرها ضمن منهجية أو نمذجة واضحة. وفي حالة حصول هذه الأحداث المؤثرة استراتيجياً على المنشأة أو المنظمة، فإنها قد لاتعاني انخفاضاً زمنياً أو وقتياً في أرباحها، بل قد يقضي هذا الخطر عليها بالكامل، بتعريض هذه المنشأة للافلاس، وتسريح كل الموظفين، أو قد يعرض بلد ما لمأساة اجتماعية وانسانية غير قابلة للتصحيح او التراجع عنها.

البنوك والمؤسسات المالية من أكثر من يعير للمخاطر اهتمام لكثرة تعامل البنوك مع شتى انواع العملاء والفرص الاستثمارية. فتستخدم اطر منهجية مبنية على معادلات رياضية خلف برمجيات حاسوبية يستخدمها موظفي البنوك لتقدير مخاطر الاستثمار مبنية أحياناً على تقارير اقتصادية ومالية تنتجها بعض شركات التقييم الائتماني مثل ستاندرد اند بورز. وتستخدم البنوك بعض السياسات لتقليل تعرضها للمخاطر، مثل التأمين على القروض الممنوحة، واستخدام شروط للتمويل مثلاً وجود وظيفة وراتب لطالب التمويل، او الاطلاع على التدفق النقدي للمؤسسات والشركات وأصولها المالية التي يمكن عن طريقها تعويض قرض البنك في حالة العجز عن السداد. تضع الحكومات شروطاً أحياناً على تمويل البنوك حماية لاقتصادتها من توسع القروض الخطرة من ناحية ضعف احتمالية السداد.

مثال اخر بعيد عن المخاطر المالية، يوجد في اليابان معهد أبحاث الوقاية من الكوارث، بجامعة كيوتو، وهو أكبر مركز بحثي في حماية الكوارث في آسيا، استطاع اليابانيون التخطيط الممتاز للتعامل مع مخاطر الزلازل والبراكين وموجات تسونامي ضمن مايقع ضمن اطار المتوقع حسب حصوله تاريخياً. ومايتكرر من هذه الكوارث ضمن هذه النماذج والأطر، غالباً يصاحبه القليل من الأضرار يمكن تجاوزها ضمن دورات زمنية قصيرة. لكن في عام ٢٠١١ حصلت كارثة لم يحسب لها حساب، وقد استمعت في محاضرة عامة للدكتور نوريو أوكادا–وهو رئيس سابق لمعهد أبحاث الوقاية من الكوارث بجامعة كيوتو–وهو يقول بأن ماحصل فاق سوءاً أسوأ ماتوقعنا احتمالية حدوثه (worse than the worst case scenario). أي أن حجم الكارثة أكبر من مماتخيل علماء المعهد أنه محتمل. زلازل عظيمة في البحر فاقت كل توقعات نماذج احتمالات الخطر المؤطرة، وسببت كارثة اثارها لايمكن محوها الى اليوم. تسبب بمقتل مايزيد على خمسة عشر الف شخص، ونزوح اكثر من مئتي الف عن منازلهم، واجبار العديد على الهجرة لمناطق أخرى بشكل دائم. وأجبرت اليابان على اعادة تقييم استخدامها للطاقة النووية بسبب الرعب الذي حصل من التسريب الاشعاعي وكارثة مفاعل فوكوشيما داييتشي.

المخاطر الاستراتيجية لاتجد تقديرها من ضمن المهام اليومية للعاملين أو الباحثين. يقول نسيم طالب في كتابه “The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable” أن المخاطرة نادرة الحدوث وغير المتوقعة هي أكبر مؤثر في التاريخ.

عندما حصلت أزمة الرهن العقاري التي بدأت في أواخر عام ٢٠٠٧ وامتدت لعام ٢٠٠٨. تسببت الكارثة بانهيار اقتصادي في الولايات المتحدة نتجت عنه خسارة خمسة تريليون دولار من صناديق التقاعد والادخار، ومن قيمة السوق العقارية، وفقد ثمانية ملايين وظائفهم، و فقد ستة ملايين بيوتهم التي عجزوا عن سداد قروضها، تخيل هذا فقط في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي فشلت فيه الجهات التشريعية والمؤسسات الأمريكية المالية كما اعترف الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرين سبان، في حديثه للجنة الكونجرس، عن في التنبؤ ورؤية الكارثة قبل وقوعها. بل حتى البنوك الأمريكية الضخمة بخبراءها الماليين فشلت في استشراف حصول الكارثة. طبعاً هناك من تنبأ واستشرف حدوث الكارثة بأعوام (انظر كتاب The Big Short: Inside the Doomsday Machine) لكن لم يستمع لهم الاعلاميين ولم تعر البنوك ولا مؤسسات التصنيف المالي أي اهتمام لتحذيراتهم كونها مخاطر (لم تحدث مسبقاً في التاريخ). يحكي كتاب The Big Short قصة عدة اشخاص استشرفوا حصول أزمة الرهن العقاري مبكراً، وبطرق مختلفة. أحدهم تنبأ بالخطر عن طريق قراءة تحليلية للأرقام التفصيلية للديون والاجراءات المتعلقة بالحصول عليها، التي غالباً لايقرأها أحد بهذا التفصيل. آخرين تنبهوا لذلك عندما لاحظوا تراخي البنوك في اجراءاتها للاقراض وتوسعها في الاقراض الخطر لتحقيق الأرباح السريعة. ومن القلة الذين استشرفوا الكارثة المالية استفادوا كثيراً وربحوا بلايين الدولارات من خسارة الاقتصاد الامريكي.

لاشك أن حدوث المخاطر الاستراتيجية ليس متعلقاً فقط بحوادث أو كوارث طبيعية لادخل للانسان بها. بل كثيراً ماتكون نتيجة سوء إدارة للمؤسسة أو المنظمة سواء كانت مالية، صناعية، أو غيرها. وتأثير هذه المخاطر ليس بمعزل في مجال واحد، فقد يمتد الخطر الاقتصادي الى تأثيرات اجتماعية غير قابلة للتصحيح. لاسيما نقص الغذاء وانتشار الأوبئة وفقدان الطاقة وانهيار البنية التحتية. الطبيعة المترابطة للتأثيرات السلبية والإيجابية تعني أن أي تحرك أو عدم تحرك من أحد اللاعبين قد تكون له عواقب ليست بالضرورة ضمن الاطر المعروفة والتقليدية للخطر.

التعرض للمخاطر الاستراتيجية، بعضه يمكن حسابه وتقديره كما حصل في أزمة الرهن العقاري، لكن المؤكد أن لايوجد نموذج رياضي معين لتقديره. يسخر نسيم طالب في كتابه “Antifragile: Things That Gain from Disorder” من البنوك والمؤسسات المالية التي دفعت له وطلبت منه وضع اطار ونموذج رياضي تقليدي محدد لقياس المخاطر غير التقليدية بعد شهرة كتابه السابق “The Black Swan” الذي كان جله حول عدم امكانية نمذجة وقياس المخاطر الاستراتيجية غير التقليدية بالطرق التقليدية. فقد طلبوا منه طريقة تقليدية لقياس المخاطر التي شرحها بكونها غير تقليدية وغير قابلة للنمذجة ضمن الأطر المعروفة.

يتطلب التعامل مع المخاطر الاستراتيجية كثيراً من الحكمة والرؤية المستشرفة وقوة الملاحظة للأخطاء الكارثية والعصامية العلمية التي لاتعتمد بالضرورة على السائد بل التفرد الذي يوافق المألوف ويخالفه بنظرة متجردة عن هالة العظمة وبعقلية متشككة في كل ماهو ظني ومحتمل رفعه الزمن والتكرار الى خانة الحتمي، ونظرة منطقية ترى التفاصيل الصغيرة وتأثيراتها ضمن الصورة الكبرى المترابطة للعوامل المؤثرة والمتغيرة. وكلما زاد تصديقنا واعتقادنا بثبات الواقع كلما كان وقع تغيراته أشد وآلم.

حول تلوث الهواء

تلوث الهواء يشكل خطر مباشر على صحة الإنسان، وليس خطر مؤجل أو متوقع مثل خطر التغير المناخي الذي هو نتيجة أيضاً لتلوث الهواء.

صحة كوكب الأرض في خطر، ولكن صحة الانسان في خطر أشد ومباشر من تلوث الهواء. يحمل الهواء في المدن الحديثة عوادم السيارات ودخان المصانع التي تتكون من نواتج احتراق تحمل مواد سامة ومواد مسرطنة. منظمة الصحة العالمية تقول أن تلوث الهواء هو السبب الرئيسي لسرطانات الرئة، وأمراض القلب التاجية والسكتات القلبية، وهو المسؤول عن ٧ ملايين وفاة حول العالم سنوياً.

محطات التوليد الكهربائي والمصانع وعوادم السيارات تشكل في بعض الأيام خطر أكبر من أيام أخرى حسب حالة الطقس من ضغط جوي وسرعة رياح واتجاهها. وهناك حالات كارثية حصلت في التاريخ الحديث أودت بحياة الآلاف من الناس خلال ساعات وأيام قليلة، منها حادثة لندن المشهورة حيث سببت حالة الطقس مع دخان التدفئة حالة من الضباب الدخاني (Smog) في عام ١٩٥٢ مابين ٤٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠ الف حالة وفاة مباشرة سببها تلوث الهواء، ومرض ١٠٠ الف شخص بسبب التلوث.

حادثة أخرى حصلت في مدينة بوبال في الهند، تسرب غاز من مصنع كيميائي لمواد مكافحة الحشرات عرض أكثر من ٥٠٠ الف شخص لاستنشاق الغاز بعد حادثة تسرب في المصنع سببت حسب المصادر الرسمية اكثر من ٢٠٠٠ حالة وفاة مباشرة (وتقديرات تشير أن الرقم يصل ل ٨٠٠٠) بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الاصابات الدائمة بسبب استنشاق غاز المصنع.

اليوم تعاني الكثير من مدن العالم الكبيرة من تضخم مشكلة تلوث الهواء، منها العاصمة الصينية بيكين التي تعاني بشكل مستمر من الضباب الدخاني، وكذلك عانت قبلها لوس أنجلوس الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من أنه مازالت لو أنجلوس تعاني أحيانا من الضباب الدخاني إلا أنها اليوم افضل من فترة الستينات والسبعينات الميلادية، حيث استحدثت تشريعات ساهمت في تقليل انبعاثات السيارات بفرض استخدام مايسمى ب (Catalytic Converter) وهو عبارة عن جهاز يتحكم في ملوثات الهواء عن طريق تحويل المواد السامة إلى مواد أخرى أقل سمية أو أقل ضرراً على الإنسان والبيئة. ويستخدم في السيارات بعد عملية حرق الوقود وقبل خروج الدخان من العادم. للاسف استخدام مثل هذه الأجهزة ليس بالضرورة موجود في كل العالم بل يعتمد على الأنظمة والقوانين الخاصة بالهواء في كل بلد. البلد الذي لايشترط على مصنعي السيارات استخدامه تجد السيارات تنفث مزيداً من الضرر على السكان.

توجد العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها للحد من الانبعاثات الضارة من السيارات والمصانع ومحطات توليد الكهرباء ومحطات التحلية التي تحرق الوقود الثقيل الذي يلوث الهواء أكثر من غيره. وبعض مدننا تقع بين الجبال التي تشكل حاجز طبيعي لتلوث الهواء مما يزيد خطر هذا التلوث على صحة الانسان والبيئة. لذلك علينا نعجل ونبادر بتطوير أنظمتنا البيئية للحفاظ على صحة الإنسان ولتخفيف التكاليف المستقبلية الكبيرة في حال تأخرنا في فرض أنظمة صارمة على الانبعاثات للحد منها.

ملوثات الهواء الناتجة من الاحتراق

ملوثات الهواء الناتجة من الاحتراق تختلف باختلاف المصدر، صناعي، زراعي، نقل ومواصلات. حتى نواتج الاحتراق الناتجة عن عوادم السيارات تختلف حسب نوع الوقود، حجم المحرك، ميلان الطريق، مدى صيانة المحرك، الخ. من اكثر الملوثات شيوعاً غازات الأوزن، أول وثاني أكسيد الكربون، أكاسيد النيتروجين، أكاسيد الكبريت، (ozone, CO, CO2, NOx, SOx, CH4, N2O, and particulate matter) و particulate matterعبارة عن جسيمات صغيرة مكونة من خليط من مواد صلبة وسائلة. اذا وصل قطر الجسيم ١٠ مايكرومتر أو أقل فإنها تصل للرئة وتسيء لحالة المصابين بالربو وأمراض التنفس.

تقنيات معالجة التلوث

لاتوجد تقنية واحد لتصفية كل انواع الملوثات، هناك تقنيات مختلف تعتمد على نوع الملوث. هناك فرصة مثلاً لاستخدام المرسبات الكهربائية للتقليل من مشكلة particulate matter وهي مستخدمة في أنفاق السيارات في اليابان مثلاً. هناك فرصة للتخفيف والتقليل من خطر التلوث باستخدام تقنيات معالجة للتلوث عند المصدر مثل مداخن المصانع. وهذا يتطلب قوانين تجبر المصانع على استخدام تقنيات التحكم والحد من تلوث الهواء. بالنسبة للسيارات مثلاً يستخدم اليوريا للحد من أكسيدات الكبريت الناتجة من احتراق وقود الديزل من الباصات والشاحنات. وهذا أيضاً يتطلب قوانين تحدد مواصفات قياسية جديدة لاستيراد الشاحنات. وهي مطبقة في بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. البعض يظن أن رفع تكاليف الوقود كفيلة للحد من التلوث عن طريق تحفيز كفاءة استهلاك الطاقة في المحركات، بينما صحيح أنه زيادة كفاءة محركات الاحتراق الداخلي يقلل من التلوث، ولكن كفاءة المحركات لوحدها لا تجبر على استخدام تقنيات التحكم والحد من التلوث.

تطوير الأنظمة والقوانين

تقنيات التحكم والحد من تلوث الهواء مكلفة ومن النادر أن يتطوع أصحاب المصانع وشركات النقل للاستثمار في تقنيات الحد من التلوث التي ليس لها عائد مادي مباشر. لكن في الحقيقة أن التكلفة الكلية لتلوث الهواء على الاقتصاد وصحة الانسان أكبر بكثير من تكلفة الاستثمار في تقنيات الحد من التلوث. مثلاً، تتكلف الحكومات مبالغ طائلة في علاج المصابين بحالات السرطان والسكتات القلبية، وصعوبات التنفس، والتي بحسب منظمة الصحة العالمية تلوث الهواء من أكبر المسببين لها. حتى لو لم يسبب تلوث الهواء حالة ربو فإنه لاشك يزيدها سوءاً. عليه، يجب أن تقوم الدول النامية باللحاق بالدول المتقدم في سن قوانين صارمة تحد من انبعاث الغازات الخطرة والملوثة، ليس لتجنب التغير المناخي، بل للحفاظ على صحة الناس. قوانين الحد من الانبعاثات ليست فقط حول استخدام التقنيات، بل حتى في أنواع الوقود المسموح حرقه. بعض أنواع الوقود تنتج عوادم شديدة التلوث مقارنة بأخرى.

التعامل مع التحديات بمواجهة الجوهر

نميل أحياناً عندما نواجه تحديات صعبة أن نبدأ بحل الأجزاء السهلة منها، ونترك عامل الزمن والتراكم للوصول لحل المسائل الأصعب. تصلح هذه الاستراتيجية بعض الأحيان، ولكن أحياناً أخرى التعامل مع لب وجوهر أو أصعب نقطة في التحدي هو أفضل طريقة للوصول لحلول حقيقية وجذرية.

مثلاً، لو أردنا أن نبدأ صناعة السيارات، فالاستراتيجية الطبيعية هي التدرج، تبدأ مثلاً بتجميع سيارات لشركات عالمية تورد جميع القطع. ربما تصنع بعض القطع السهلة محليا كمقاعد السيارة وزجاجها الخارجي.

أو أردنا ان نبدأ في صناعة المكيفات، نبدأ في تجميعها، ثم صناعة قطع بسيطة محلياً ربما تشمل قطع البلاستيك الخارجية والمراوح الدافعة للهواء.

حتى تعاملنا مع السعودة، انظمة وزارة العمل تضع اقل نسب السعودة المطلوبة في اصعب المجالات للسعودة، مثلاً قطاع المقاولات. ربما يعتبر أقل المجالات المطلوبة فيها نسبة السعودة. بينما وظائف التدريس وتدريجيا وظائف مكتبية في القطاع الخاص ثم سعودة وظائف البيع الى اخره.

اضافة على ذلك، خذ الصناعات المنبثقة من النفط. فمن تصدير النفط الخام، بدأنا في تصدير النفط المكرر، ثم البتروكيماويات. كلها مازالت ضمن دائرة معالجة كيميائية أولية وثانوية للنفط الخام، دون أن نصل للمنتجات النهائية المصنوعة من البلاستيك بأنواعه.

تخيل لو بدأنا صناعة المكيفات بصناعة الكمبروسر أولا واستيراد باقي القطع وتجمعها، ستكون الصناعة صعبة في بدايتها وربما احتاجت اعواماً من التطوير والتجريب، لكن بمجرد اتقان الكمبروسر سيكون مابعدها اسهل وتابع.

الاستراتيجية البديلة هي مواجهة التحدي في جوهره. قبل أن تبدأ تجميع السيارات تصنع المحركات. قبل أن نسعود الوظائف السهلة نسعود الصعبة، وسيصبح اتمام الباقي تباعاً.

مثلاً، لو أردنا سعودة وظائف البناء، فإننا نحتاج إعادة رسم سوق المقاولات والبناء السعودي. بدأ من التدريب، وحقوق العمال، وصولاً لأساليب البناء نفسها.

لن تكون سعودة قطاع المقاولات سهلة أبداً، لكن لو نجحت سعودة القطاع بشكل كبير، ستكون سعودة باقي المهن سهلة وطبيعية.

مهن البناء لاتعاني أبداً من البطالة في الدول المتقدمة، وحتى تصبح مهنة البناء مجدية لأبناء البلد، يجب أن تكون مبنية على حفظ حقوق وكرامة البنائين والفنيين المصاحبين. وذلك يبدأ بالتدريب والترخيص المشروط للمهن بناءً على التخصصية، ثم بحفظ حقوقهم المالية المجدية وقوانين السلامة الصارمة واستخدام الاجهزة المتقدمة والوسائل الحديثة في البناء. عن طريق المواد المصنعة مسبقاً وليس المبنية في الموقع. ورفع الاجور وضمان حدها الادنى الذي يوفر عيشة كريمة ورغيدة للبناء وأسرته.

أن تبدأ صناعة سيارات بصناعة محركاتها، يتطلب كثيراً من الوقت والتجريب في التصاميم والتنفيذ من قبل المهندسين والفنيين السعوديين. وهذا سيتكلف مبالغ كبيرة وسنوات عديدة لايأتيها منها عوائد ملموسة. مما سيجعل هذه مهمة صعبة للغالية لتوفير التمويل اللازم والصبر والثقة في الكفاءات المحلية للخروج بمحركات ذات كفاءة موازية للموجود في الصناعات الخبيرة.

لكن عندما ننجح في صناعة محركات كفؤة واعتمادية، وعندما نواجه لب وجوهر التحديات، سيكون للنجاج فيها تأثير الدومينو في ماهو أسهل. الاستثمار في هذه التحديات سيوفر على المدى الطويل اقتصاد أقوى وبنية علمية وتقنية قوية قادرة على تنفيذ مشاريع أصعب بمواصفات تقنية رفيعة.

وكذلك الأمر للصناعات النفطية، تقوم الشركات الكبيرة بتوفير المواد الخام بمعالجة أولية وثانوية للنفط ، وتبحث عن صغار المستثمرين ليأخذوا هذه المواد وينتجوا بها منتجات نهائية. ماذا لو قامت هذا الشركات الكبرى بتحدى نفسها بانتاج مايحتاجه المستهلكين من منتجات نهائية؟ هذ المنتجات النهائية هي مايحمل أكبر قيمة مضافة في كامل الدورة الاقتصادية للمواد الخام.

يمكن للقارئ معارضة فكرة مواجهة جوهر التحديات وتفضيل التطوير التدريجي لتقليل المخاطر. صحيح، المخاطرة اكبر على الاستثمار في اصعب جزء من منظومة صناعية مقارنة بالاستثمار التدريجي في منتجات اسهل. لكن لونظرنا للمدى الطويل، فإن تجاوز التحديات الصعبة ولو بعد حين، سيخفض من المخاطرة في ماهو أسهل بشكل كبير، ويرفع الثقة لدى المستثمرين والعاملين بإمكانية انتظار العائد المجزي على الابداع والتطوير. بل سيكون سوقها جاهزاً لوجود المهاراة اللازمة لإحداث التطوير المطلوب. استثمارات من هذا النوع تقدم تنوع حقيقي للاقتصاد وتتطلب مخاطرة وجرأة مالية وتعاون مجتمعي بين الحكومة ورجال الأعمال ومراكز الأبحاث والجامعات.

ثم إن مواجهة جوهر التحديات ربما يكون المورد الوحيد لخلق وظائف حقيقة جديدة في بلد يتزايد وصول نصفه الشاب لسن العمل. الإحلال التدريجي والسهل يسير ببطء قد يعجز في النهاية عن الوفاء بحاجات الشباب من المهن. طبعاً دون نسيان التأثير الاقتصادي الكبير بتقليل الاستيراد وتنويع مصادر الدخل.

 

نظريات اللعب (Game Theory)

توفي جون ناش (John Nash) يوم السبت قبل يومين بتاريخ ٢٣/مايو/ ٢٠١٥، وهو عالم رياضيات معروف بمساهماته في نظريات اللعب حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٤ بالشراكة مع سلتن وهارساني (Reinhard Selten and John Harsanyi) اللذين أيضاً لهما مساهمات في نظريات اللعب. ومن اللطيف ذكره انه في نفس العام ١٩٩٤ فاز ياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين بنوبل للسلام.

الحقيقة أنه يخطئ الكثير عندما يظنون أن جون ناش هو واضع لأصول نظرية الألعاب أو اللعبة Game Theory. الحقيقة أن لناش تطوير كبير في نظريات اللعب وإيجاد حلول رياضية لها. بينما أول تمثيل رياضي للنظرية صدر في كتاب عنوانه نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior) والذي صدر عام ١٩٤٤ لعالم الرياضيات جون ڤون نيومان (John von Neumann) وعالم الإقتصاد أوسكار مورجنستيرن (Oskar Morgenstern).

قبل الحديث عن ماهية نظرية الألعاب أو اللعبة أو نظريات اللعب أو المباريات (Game Theory), احتياري في الترجمة العربية نابع من عدة أمور. هذا العلم مكتوب في الأساس باللغة الإنجليزية بالصيغة (Game Theory) والتي قد توحي بوجود نظرية واحدة عامة. الحقيقة أنه هناك عدد من النظريات تتحدث عن الموضوع.

ماهي الألعاب المقصودة؟ ربما نسمع أحياناً في مقر العمل من الزملاء أو الأصدقاء “فلان لعبها صح” يشيرون بذلك لشخص عمل لصالح نفسه بشكل استراتيجي ولم تظهر النتيجة مبكراً في خطوة واحدة بل في عدة خطوات حتى وصل لما يريد. أحياناً نقولها عن شركة أو دولة.

نظرية الألعاب هي مجموعة نماذج رياضية لتمثيل القرارات التفاعلية. ماهي القرارات التفاعلية؟ ولماذا سميت بالألعاب؟

اتخاذ وصناعة القرار أنواع عدة، تختلف باختلاف عدد الاهداف وعدد المشاركين في صنع القرار. تخيل الألعاب الاستراتيجية، مثل لعبة الشطرنج أو الكيرم أو البلوت. هناك عدة لاعبين (اثنين على الأقل) القرار أو الاستراتيجية التي يتخذها كل شخص تتأثر باستراتيجيات خصومه. اللاعب الماهر هو الذي يستطيع أن يستشرف عدة خطوات مستقبيلة في اللعبة. فتجد لاعب البلوت الماهر يتوقع استراتيجيات خصمه مبكراً ويطورها بعد كل جولة. أصحاب نظرية الألعاب استوحوا النظرية من الألعاب الاستراتيجية التي يكون لها أحياناً عامل الحظ مثل رمي النرد في المونوبولي أو قوة الورق بيد لاعب البلوت. وأحيانا لاتعتمد على الحظ أو العشوائية بل على الاستراتيجيات وحدها.

مثل أصحاب نظرية اللعبة بشكل رياضي حالات اتخاذ القرارات التي لها اثنين أو اكثر من اللاعبين أو متخذي القرار. لذلك للنظرية تطبيقات كثيرة في الاقتصاد والسياسة والمنافسة والمفاوضات والصراعات ومجالات الصناعة والطاقة والخدمات، بل لها تطبيقات غير محدودة تستخدم حتى في فهم بعض السلوكيات الاجتماعية.

النموذج الرياضي للنظرية بالطبع لا يمثل كل الواقع كما هو، إنما حاله كحال كل النماذج الرياضية، يهتم بتمثيل العناصر الرئيسية التي نظن أنها مؤثرة في الظاهرة، وأهم عناصر الألعاب هي متخذي القرارات (اللاعبين Players) خياراتهم(Options or Strategies)، ورغباتهم أو تفضيلاتهم (Utility Values or Preferences).

جون ناش، كان من ابداعه أنه اقترح طرق لتحديد الاستراتيجيات المتوقعة للاعبين بناءً على العقلانية (Rationality) وإيجاد نقاط اتزان أو حل للعبة (Equilibrium Points). من عجائب إنجازاته أنه قام بها بالرغم من مرضه العقلي حيث أنه كان مصاب بانفصام في الشخصية، وهي حكاية مروية في فلم مستوحى من حياته اسمه عقل جميل (A Beautiful Mind). جون ناش قبل وفاته كان ربما أعظم المنظرين في نظرية اللعب، وله انجازات علمية مختلفة حتى خارج مجال نظرية الألعاب.

كثير من القرارات اليوم ليست بالضرورة مبينية على حلول مثالية لرغبة فردية، إنما القرارات التفاعلية حاصلة شئنا أم أبينا. مثلاً، انظر إلى أسعار تذاكر شركات الطيران العالمية. هل السعر ثابت يمثل التكلفة مع هامش الربح؟ بالطبع لا، السعر يتغير أخذاً بعين الاعتبار حالة السوق وسلوك المنافسين. القرارات اليومية للشركات الكبيرة التي تبيع البضائع الاستهلاكية، عروضها الترويجية، السياسات التسعيرية، التعامل مع منافس جديد، هل يتم تخفيض السعر بخسارة لإخراج منافس جديد من السوق مثلاً؟

السياسات الحكومية، الاقتصادية والسياسة الخارجية. السعودة مثلاً ماهو تأثيرها المتوقع على الاقتصاد، ماهي ردة فعل التجار؟ كيف نرد على ردة فعلهم؟ تصميم السياسات باحترافية يمكن أن يستفيد بشكل كبير من نظريات اللعب.

من الأمثلة التي حصلت قبل فترة، قرار السعودية في إعلان وزير البترول السعودي عدم تخفيض انتاج النفط بالرغم من تهاوي الأسعار. البعض رآها مصيبة، والبعض رآها حكمة. عدم تخفيض الإنتاج يعني استمرار تهاوي الأسعار مما يضر بالمدخول المالي للبلاد. ربما تخفيض الانتاج سيرفع الاسعار على المدى القصير، وربما يهوي بها على المدى الطويل، وسيخفض حصة المملكة من سوق النفط. الحفاظ على مستوى الإنتاج ساهم في تهاوي السعر على المدى القصير، ضغط على المنتجين الجدد عالي التكلفة وربما أخرج بعضهم من السوق، وضغط لخفض الاستثمار في استكشاف مكامن النفط على مستوى العالم، ربما هذه الاستراتيجية لم تؤدي لتعافي الأسعار، لكنها حافظت على الحصة السوقية للملكة في سوق النفط، وربما تساهم الاستراتيجية في تعافي الأسعار على المدى الطويل. يعتمد كله على ردة فعل اللاعبين الآخرين واستراتيجياتهم. مثلاً، عودة ليبيا والعراق لإنتاجهم الطبيعي ستساهم في خفض الأسعار. وكذلك رفع العقوبات الإقتصادية عن إيران، لذلك هناك أهمية متزايدة للحفاظ على حصة السوق. أيهما أفضل الحفاظ على الحصة السوقية أو الحفاظ على السعر؟ لايوجد جواب جاهز لكن استراتيجيات مختلفة يمكن تحقيق بعض من هذا وذك.

فهم نظريات واستراتيجيات اللعب ليست بالضرورة حصر على المتخصصين بل مفيدة لكل إنسان. هناك كتب لغير المختصين لتطوير استراتيجيتهم حتى في التعامل مع الأبناء! قرأت مرة أن الأطفال في بعض الأحيان يفوقوا في الدهاء الاستراتيجي والديهم. تعليم نفسك المهارات الاستراتيجية بفيدك في وظيفتك في بيتك في علاقاتك الاجتماعية، بالرغم من أني لا أظن بأن أصدقاءك وأقرباءك سيكونون سعيدين بانتصارك عليهم في كل مرة.

ذكرت في بداية المقال أن ياسرعرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين حازوا على نوبل للسلام في نفس العام الذي حصل فيه جون ناش على نوبل في الاقتصاد، لو نظرنا اليوم، من منهما كان المفاوض الأدهي استراتيجياً؟

لا شك أن العرب من أحوج الناس لتطوير استراتيجياتهم وسياساتهم لاسيما مع كثرة الصراعات في منطقتنا. هناك العديد من النظريات والنماذج الرياضية المبينية على نظرية اللعب يمكنها المساعدة في الوصول لحلول للصراعات والحروب ورسم استراتيجيات للتدخل الحكيم والعقلاني.

قبل الختام اطرح هنا اسم لكتاب مكتوب باللغة الإنجليزية أظن أنه يقدم شرحاً جيداً ومبسطاً لكثير من المفاهيم الاستراتيجية المستوحاة من نظريات اللعبة، يمكن لأي شخص قراءته.:
Thinking Strategically: The Competitive Edge In Business Politics And Everyday Life
by Avinash K Dixit and Barry J Nalebuff

اختلاف نتائج التصويت باختلاف طرقه

هناك عدد من أنظمة التصويت لاختيار فائز واحد (Single-winner). من الامثلة على استخدام التصويت لاختيار فائز واحد انتخاب رئيس مجلس ادارة شركة من قبل الاعضاء المساهمين، اختيار رئيس قسم في جامعة، او اختيار رئيس دولة بالانتخابات.

هناك انواع اخرى للتصويت لانتخاب عدة اعضاء(Multiple-winners)، ومثاله المجالس البلدية والبرلمانية والنيابية. وهذا مختلف عن اختيار فائز فردي. وهذه التدوينة تهتم بتوضيح فكرة عن بعض أنواع التصويت لاختيار فائز واحد فقط.

نوع التصويت المنتشر والمعروف بالانتخابات التعددية (Plurality Voting System) لاختيار فائز واحد في الانتخابات الرئاسية للدول يعتبر باتفاق جمع من الباحثين والعلماء في المجال أسوأ أنظمة التصويت. وهناك خلاف في أفضل الانواع. من الأمثلة على عيوب هذا النوع من أنظمة التصويت هو تعزيز لأحزاب قليلة للوصول للسلطة وربما استحالة اختراق سيطرتها كما هو الحال في نظام الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن عيوبه القطبية الطرفية، فمثلاً الفائز يكون في العادة مائلاً الى أقصى اليمين أو أقصى اليسار مع صعوبة وصول المرشحين الوسطيين.

ولنستعرض الانتخابات المصرية الأولى في عام ٢٠١٢ التي أعقبت سقوط الرئيس حسني مبارك. كانت الجولة الأخيرة من الانتخابات التعددية قطبية للغاية، مرشح يمثل التيار القديم أحمد شفيق وهو آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس حسني مبارك ومحمد مرسي ممثل الإخوان المسلمين. لايمكن أن تصل القطبية في الانتخابات المصرية الى اقصى من هذا الحد. والمشاركة في تلك الانتخابات معضلة للكثيرين فالذي يرفض النظام السابق ليس بالضرورة محب لمحمد مرسي. وهكذا ساهم نوع التصويت في زيادة الانقسام بين الثوار حتى انه رئيسهم الفائز محمد مرسي لم يصمد كثيراً في انقلاب أعاد القطب الآخر للحكم.

تخيل لو وصل للرئاسة محمود حسام أو هشام البسطويسي أو عمرو موسى أو حمدين صباحي أو محمد سليم العوا أو عبد المنعم أبو الفتوح أو غيرهم من المرشحين، سيكون الرئيس أقل قطبية وأكثر وسطية مما يسهل عملية تشكيل حكومة وطنية تلقى قبولا اعلى من أي الحزبين المتضادين.

كيف يمكن ذلك؟ كثير من الجمعيات العلمية تستخدم نظام التصويت التوافقي (Approval Voting) وفكرته هو أنه المصوّت يوافق أو لا يوافق على جميع المرشحين. والمرشح صاحب أعلى نسبة توافق يفوز بالانتخابات. هذه الطريقة تقرب المرشح الوسطي من الفوز لأنه اكثر قبولا عند القطبين من أحدهما. ومن مميزات هذا النوع هو تفكيكه لاحتكار السلطة عبر الاحزاب القوية والمتنفذة. ويساهم في التقليل من مشكلة التصويت الاستراتيجي. مثال لمشكلة التصويت الاستراتيجي: افترض شخص مؤهل للتصويت على الانتخابات الرئاسية الأمريكية رغبته الحقيقية أن يفوز مرشح الحزب الأخضر. لكن لعلمه استحالة فوز مرشحهم، ولخوفه من سياسات المرشح الجمهوري في مواضيع البيئة، فإنه اختار أن يصوت للمرشح الديموقراطي، ليس لأنه يريده بل لأنه يخشى وصول غيره. بذلك يفقد التصويت معناه لأنه من اهداف التصويت الوصول للرغبة الحقيقية للمصوّت. وهذا ما حصل في مصر، فالكثير صوت لمحمد مرسي ليس رغبةً فيه لكن خوفاً من انتصار النظام القديم والعودة لنقطة الصفر والعكس صحيح، من الناس من صوت لأحمد شفيق خوفاً من وصول الإخوان للحكم. في النظام التوافقي لايخسر مرشحك الحقيقي صوتك لأنك تستطيع أن توافق عليه وعلى غيره وترفض من تخشى وصوله.

من مشاكل نظام التصويت التعددي سهولة التلاعب في النتائج. طبعاً لا أقصد بالتلاعب الغش المباشر عن طريق التزوير وغير ذلك بل اقصد التلاعب القانوني الذي يحصل على مرأى من الجميع. مثال ذلك، لو افترضنا وجود انتخابات بين حزبين متضادين، يقوم حزب بدعم مرشح ثالث وجديد ربما بالمال والموارد البشرية والدعائية، ليس حباً في التعددية، لكن لعلمهم أن وجود المرشح الجديد سيأخد من أصوات المنافس مما قد يؤدي لحسم الانتخابات مبكراً بانقسام اصوات المنافسة. وهذا وروده وامكانيته اضعف بكثير في الانتخابات التوافقية.

طبعاً أنواع الانتخابات ليست محصورة بين هذين النوعين، بل هناك أنواع أخرى كثير منها نوع يقوم على تقييم كل مرشح، يقوم المصوّت بوضع درجة من ١٠ أو من ١٠٠ لكل المرشحين ويفور صاحب أعلى درجات، وهناك طريقة أخرى وهي ترتيب المرشحين حسب الأفضلية من أعلى مرشح قبولاً لأقل مرشح وهذا أيضاً يقربنا أكثر من المرشح الوسطي على غيره. ربما هناك ١٥ نوع من أنواع الانتخابات وهذه التدوينة القصيرة ليست على اصول البحث العلمي إنما مجرد اشارة يقصد بها توضيح بعض أمور التصويت لمن لا يعرف عن أنواعه. خصوصاً في فترة الانقسامات الحاصلة في ليبيا ومصر واليمن والعراق الذين هم أحوج مايكون لرؤساء موحدين وسطيين عوضاً عن الاستقطابات الحادة التي تعمق الصراع بين مواطني تلك البلدان. وربما يكون النوع التوافقي انسب للديموقراطيات الناشئة لضعف الثقة في الأحزاب الكبيرة والشعور العام بأنها تحاول السيطرة على السلطة دون السماح بتداولها.

 

 


هذه التدوينة مستوحاة من محاضرة Mathematics and Democracy والتي أقيمت ضمن سلسلة Bridges Lecture Series والتي تهدف لردم الفجوة بين الرياضيات والفنون.

كيف حل طبيب مشكلة انقطاع الماء في بنوم بنه

هذه قصة حقيقية سمعتها في محاضرة في الجامعة وقمت ببعض البحث للتحقق منها. سيتم ذكر المصادر اخر المقال.
كمبوديا دولة ملكية في جنوب شرق آسيا من دول العالم النامية عاصمتها بنوم بنه، عانت العاصمة كما تعاني الكثير من دول العالم النامية من كثرة انقطاع المياه وسوء جودة مياه الشرب الواصلة من البلديات. 
عين رئيس الوزراء طبيب بيطري اسمه إك سون تشان كمسؤل عن سلطة المياه في مدينة بنوم بنه عاصمة كمبوديا. عندما بدأ مهمته حاول استكشاف وضع المياه في المدينة فأسس نظاماً متكاملاً ليعرف بالضبط كميات استهلاك كل زبون، ووصول الماء للمنازل، ومن يدفع ومن لا يدفع، فخرج بمعلومات غريبة. اكتشف ان الفقراء منتظمين في دفع فواتير المياه، والأغنياء لا يدفعونها. اكتشف انه بعض الفقراء يدفع فاتورة المياه حتى لو لم تكن المياه موصله لمنازلهم. لأن الاجراءات الحكومية والبنكية تتطلب من الناس احضار فاتورتين لاثبات السكن: فاتورة المياه وفاتورة الكهرباء. فكان الفقراء يضطرون للدفع حتى لو لم تصلهم المياه.
ومما وجده أن أكبر مستهلكين للمياه في المدينة لم يدفعوا قرشاً واحداً، وهما الجيش والحكومة. ووجد أن شبكة المياه في المدينة متهالكة لدرجة أنه أكثر من ٨٠٪ من المياه يهدر في تسريبات الشبكة قبل وصوله لمنازل الناس. ووجد أن الناس لا يثقون في جودة مياه الصنبور والقادر فيهم يستخدم مياه معبأة للشرب والطبخ.
حاول أولاً أن يجبر الجيش والحكومة على دفع فواتير المياه، فبدأ بالجيش، والجيش في كمبوديا سلطة مطلقة لا يحاسبها أحد ولا يجرؤ على استفزازها إلا منتحر. فأرسل للجيش رسائل تهديد بقطع المياه، لم يرد الجيش على أي منها. ثم أرسل أحد الموظفين ليقطع المياه عن مقر الجيش، وضعوا مسدساً على رأسه وهددوه إن تجرأ على ذلك بالقتل.
فهرب الموظف وعاد إلى مديره، وعلم مديره أن الفشل في هذه الخطوة قد يقضي على كل مشروعه. فذهب لأهله وودعهم وداع من لا يرجوا أن يعود. وقيل أنه رتب ارثه ليوزع في حال وفاته، وصلى ودعا ربه أن ينجيه. ثم ذهب بنفسه ليقطع المياه عن مقر الجيش، وخرج له أحد الجنرالات وهدده بسلاحه إن هو تجرأ على قطع الماء عنهم. مضى في عمله وقطع الماء عن مقر الجيش، ولكنه قبل ذلك دعا وسائل الإعلام إلى الحدث، فكان المراسلون الصحفيون بكاميراتهم يستعدون لالتقاط صور قتله ونشرها على العالم أجمع.
تراجع الجنرال عن قتله، واضطر تحت مراقبة الصحافة أن يتركه يقطع عنهم الماء ويذهب، وفي اليوم التالي قدم الجيش المبلغ المطلوب عليهم لسلطة الماء في المدينة. وعندها استغل رئيس الوزراء الذي عينه الحدث، واعلن للناس أن الجيش والحكومة سيلتزمون من الأن فصاعداً بدفع فواتير الماء. ويشمل ذلك جميع المباني الحكومية من مدارس وادارات ووزارات. والذي لايلتزم بالدفع يقطع عنه الماء.
اليوم عاصمة كمبوديا فيها أفضل نظام لإدارة المياه في العالم، وتم تخصيص سلطة الماء في المدينة التي اصبحت من أوائل شركات سوق الأسهم في كمبوديا، وتم تخفيض الهدر في الشبكة إلى مابين ٥.٥ إلى ٦٪ وهو رقم ريادي حتى بمقارنته بمدن العالم المتقدمة التي في المتوسط تفقد حوالي ٢٣٪ من مياه الشبكة في التسريبات. والأجمل من ذلك هو أن الماء لا ينقطع عن بيوت عاصمة كمبوديا كما يحصل في مدن العالم النامي.
——————————-
يقول الرجل الذي القى المحاضرة في الجامعة أن دول الشرق الأوسط ولا سيما قطر والسعودية والكويت ومصر تفقد الكثير من مياهها في تسريبات الشبكة ويقدر ذلك بحوالي ٦٠٪ من الشبكات القديمة و ٣٠٪ من الشبكات الجديدة. وهذا يشير لسوء جودة مشاريع شبكات المياه.
ويقول أيضاً ان النظام الساري في بعض دول الشرق الأوسط من أن المياه تأتي للبيوت مرة كل عدة أيام ثم يعبئ الناس خزانات بيوتهم ثم يضخوا هذا الماء الى خزانات أخرى علوية مكلف جداً. ولو تمت ادارة صحيحة للمياه فإن المياه المنتجة اليوم في الشرق الأوسط تكفي لإمداد الناس بالماء في بيوتهم ٢٤ ساعة في اليوم دون الحاجة إلى خزانات. وأن ذلك سيوفر على الناس حوالي ٣٥٪ من تكلفة الماء.
ومن اهم ماذكره المحاضر، وهو بروفيسور عالمي نشر أكثر من ٦٠٠ ورقة علمية بحثية وحوالي ٦٤ كتاب، أنه لا يظن أن العالم يعاني من أزمة مياه، بل أزمة وكارثة في إدارة الموارد المائية. وأنه لو أدرنا الموارد المائية في العالم بصورة صحيحة وتقنيات موجودة اليوم، فإنه ستزول المشكلة حتى في الدول قليلة المياه كاليمن ومصر ودول الخليج العربي وشمال أفريقيا.
المصادر:
– محاضرة الدكتور أسيت بسواس في معهد المياه بجامعة ووترلو (رابط المحاضرة). وهنا تعريف بالدكتور أسيت.
City Water for All
– Phnom Penh Water Supply Authority
Interview with Ek Sonn Chan and this
– Ek Sonn Chan pipes something precious into the homes of Phnom Penh: safe water

أفكار ورؤى حول توسعة الحرمين

توسعة الحرمين اصبحت من المواضيع الساخنة حيث ان هناك من يرى فيها تخريباً للاثار الاسلامية وتشويهاً للهوية السكانية، وبين من يراها مهمة وضرورية لتمكين اعداد اكبر من المسلمين من اداء فريضة الحج والعمرة بكل يسر وسهولة. واعترف بأن رأيي حول الموضوع تغير مع الزمن، فكلما تعلمت يصبح عندي تعديل في رؤيتي للتوسعة والاثار.
في جامعة الملك عبد العزيز درست الهندسة الصناعية وبحكم قرب جدة من مكة تجد الكثير من المشروعات الطلابية التي تدور حول امور تخص الحرمين. وقد كان مشروع تخرجي في البكالوريوس حول ادارة الحشود في الحرم المكي ومقارنتها بالتوسعة عن طريق تطبيق نموذج محاكاة. وتم قياس جودة حركة الحشود بواسطة معايير مشابهة لما يطبق في تصنيف المطارات، مما افادني لاحقاً في عملي في المطار، الذي تركته بعد ذلك.
نعود لموضوع التوسعة، في احدى طرق تطوير الجودة التي درستها في الجامعة طريقة تسمى Re-Engineering أو كما يترجمها بعض الاخوة: الهندرة. هذه الطريقة، والتي استهوتني ومازالت تستهويني احياناً، قائمة على فكرة الغاء كل القديم وعدم النظر اليه والاتيان بتصميم يجديد يدرس الوضع بشكل جديد دون النظر للوضع السابق.
وهذه الطريقة مفيدة احياناً، خصوصاً اذا كانت المشكلة التي تود معالجتها في وضع مأساوي وسئ للغاية، لأن التعديل على شئ سئ جداً قد يكلف اكثر من الغائه واعادة بنائه، والتعديل قد يحافظ على بعض المظاهر السيئة للخدمة او المنتج.
هذه الطريقة فكرت فيها كثيراً كأسلوب لتطوير وضع الحرم المكي خصوصاً، فاقترح بعض الطلاب في مادة الجودة (وقد وافقتهم) إعادة بناء الحرم ليكون بشكل متساوي ومنتظم، بأعمدة قليلة جداً، لتسمع برؤية الكعبة من كل دور ومن كل مكان. مشكلة اخرى هي ان صحن المطاف شبه مستطيل بسبب الرواق العثماني وهذا يخلق عنق زجاجة عند المكبريات طول فترة الطواف. مما يشكل خطراً للتدافع في هذه المناطق الضيقة.
وعندما استمعت لكلام بعض المعماريين المهتمين بالحفاظ على التراث، رأيت جزعاً وهلعاً من مشاريع التوسعة. فالقيمة الاجتماعية والتراثية لايمكن صناعتها، وهذه الاثار التاريخية تمثل هوية الانسان وهوية الدعوة التي نشأت من هذه الارض، وغياب هذا كله عن الاجيال القادمة جناية في حقهم وحقنا، ان يعيشوا منتزعين من ماضيهم. في وقت تبحث فيه بعض الدول الحديثة عن اي تراث لنفسها فلاتجده، فتضيع هوية ابنائها واجيالها.
هذا الكلام جميل، ولكنه ربما لا يكفي للاستنجاد بالعلماء والمفتين. فالعالم يرى تراثنا في القرآن والسنة النبوية، وهويتنا في قيمنا الاسلامية، وليس في بئر او سقيفة، مكتبة او مبنى، بل وربما يجد في هدم هذه الاثار خير، فإنها قد تدعو الى الشرك.
ما أود قوله، هو ان التوسعة في الحرمين ضرورية. فبعدما اصبحت لدينا توسعة ضخمة في مشعر منى وجسور الجمرات، فإن هذا العدد الهائل من الناس قد يجد خطورة حال انتقاله للطواف، فإن سعته لاتناسب السعة التي تسبقه. ثم انه من حق المسلمين في ارجاء الارض ان يأتوا ليحجوا ويعتمروا ولهم علينا حق في تسهيل ذلك عليهم ما استطعنا، وهذا واجب احترمه العرب قبل الاسلام، فما بالنا اليوم ونحن مسلمون أن نقصر في ذلك، وقد وهبنا الله الاموال والعلم والقدرة على تطوير وتسهيل اتمام الناس حجهم وعمرتهم وصلاتهم.
وكنت انتظر توسعة الحرم المكي بعد اتمام توسعة جسر الجمرات. والحقيقة اقول اني لم اتخيل هذه الجرأة في الهدم، وان كنت ارى ان بعض الاجزاء تحتاج اعادة بناء. لاسيما الرواق العثماني. وكنت اتمنى اعادة بناء التوسعة، لتناسب اكثر حركة الحشود ولتقليل الاعمدة لاتاحة رؤية متكامل للكعبة دون الحاجة للجلوس في الصحن.
وأما الحفاظ على الاثار الاسلامية والنبوية، فلا يتعارض مع التوسعة. فماذا يضير لو تم الحفاظ على كل هذه الاثار وجعلها داخل التوسعة؟ فكما حفظ لنا العرب قديماً والنبي صلى الله عليه وسلم مقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام، مالذي يمنعنا من ان نحافظ على اثار سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
وقد روي انه في عهد عمربن الخطاب رضي الله عنه، امر بتحريك المقام وابعاده قليلاً من الكعبة لتخفيف الزحام والتسهيل على الطائفين. فلم يأمر بإزالته بل تحريكه. فلو نظرنا اليوم للاثار النبوية والاسلامية في الحرمين، اذا كان منها مايمكن نقله الى متحف في مكة والمدينة، فليتم نقله، وماكان منها غير ممكن نقله، فلتبقى في اماكنها ويتم احاطتها لحمايتها بزجاج او غيره. وهذه ليست فكرة غريبة فمقام ابراهيم باق في المطاف، وغرفة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفيها قبر الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أبو بكر وعمر، رضي الله عنهم. وتوجد مكتبة في الحرم النبوي داخله، ويوجد بئر زمزم في مكانه. فماوصلته امتدادات التوسعة من آثار تاريخية اسلامية فندعوا للحفاظ عليها.
أما الفنادق الحديثة، فإن الكثير منها يقع بشكل معيق للتوسعة. لاسيما بعض الجديدة منها. وهدمها خسارة مالية ربما تكون ضرورية. وهي تدعونا لموضوع الموازنة بين الفنادق وبيوت اهل مكة والمدينة. ابعاد الاهالي عن الحرمين قد يؤدي لهجرانهما. فلكلما بعدت بيوت سكان مكة والمدينة من الحرمين، كلما ازداد اعتماد نشاط الحرمين على الزوار، الذين يأتون بالطائرات والسفن والسيارات. فلو قدر الله مستقبلاً تعطلاً في حركة النقل بسبب نقص وقود او مشاكل اقتصادية وغيره، فإنه قد يكون الحرمين ومحيطهما شبه مهجور.
يبدو لي انه يجب الحفاظ على مساكن اهل مكة والمدينة من الفنادق. ويمكن اقامة احياء فندقية جديدة تكون بعيدة قليلاً عن الحرمين وموصلة بقطارات تتحرك على مدار الساعة مباشرة الى الحرمين. وتكون مدة الرحلة قصيرة ومريحة ٥ الى عشرة دقائق. فلا يشعر الزائر ببعده عن فندقه ولاحاجته لركوب السيارات. وفوائد هذه الطريقة كثيرة، تحافظ علي المكان حول الحرمين من ناطحات السحاب التي تؤثر على طقس المكان وتزيده احتقاناً بحركة الخدمات والزوار. بينما ابعادها يتيح بنيانها بارتفاعات حرة، وتنظم حركة خدماتها بما لا يعيق الزوار من حجاج ومعتمرين. وربما يسهم في تخفيض اسعارها، ويتم انشاء هذه القرى الفندقية حسب امتداد التوسعة في كل زمان، دون هدم واعادة بناء. وايقام حالة البناء الدائم حول الحرمين. بل وسيسهل ادارة الحشود الواصلة للحرمين فيتم مزامنة حركة القطارات لتصل بشكل مجدول. او وقف حركتها تماماً عند الحاجة لذلك.
آخيرا أقول بأن التوسعة تحتاج رؤية علماء وخبراء وقيادات، فمن حق المسلمين علينا ان نفعل كل مانستطيع لتسهل نسكهم، وأن نحافظ على ماحافظ عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، ومن تبعهم الى يومنا هذا. فلا نكن نحن من هدم ماحفظه سلفنا الصالح كل هذه السنين، ولا نكن نحن سبباً في هجران الحرمين، نسأل الله أن يوفق جهود التوسعة وأن يهدها إلى مافيه خير للأمة.

“الانترنت هو السوق” (كيف تستفيد من الانترنت ٢ / ٣)

دلوني على السوق ”الانترنت هو السوق” بهذه العبارة الرائعة شرح عماد المسعودي في تيد اكس صنعاء ٢٠١٢ جوابه على سؤال “دلوني على السوق”. وتحدث عن الوسائل الموجودة للربح على الانترنت، سواءً لباحث عن مهنة بسيطة كإدخال بيانات أو عن موظفين عن بعد، أو حتى عن تمويل لمشاريعك الاستثمارية.
ذكر عماد المسعودي كيف يمكنك استخدام الانترنت لتتعلم، ثم لتعمل، ثم لتستثمر. اشجع الجميع على مشاهدة الفلم اعلاه واستخدام الروابط ادناه. لاعذر لعجز وبيننا هذا الكنز.
التعليم
خان اكاديمي http://www.khanacademy.org
كورسيرا https://www.coursera.org
آي تونز يونيفيرستي iTunes U ويمكن متابعتها عن طريق برنامج اي تونز للماك والويندوز او برنامج iTunes U للايفون أو TunesViewer للاندرويد.
وظائف
أمازون ميكانيكال تيرك https://www.mturk.com/mturk/welcome
إيلانس Elance https://www.elance.com
فريلانسر http://www.freelancer.com
أوديسك https://www.odesk.com
جست انسر http://www.justanswer.com
إنوسنتڤ https://www.innocentive.com
التمويل
كيڤا http://www.kiva.org
كيك ستارتر http://www.kickstarter.com
تام http://tamhub.com

لماذا الإلحاد استراتيجية خاسرة

في الفترة الماضية كثرت الاخبار عن الملحدين الجدد الذين يظنون ذلك عقلانية منهم، واردت ان اكتب هذا المقال لأوضح لمن يفكر في الايمان والإلحاد ويتأمل بصدق لماذا أن الإلحاد في الحقيقة استراتيجية خاسرة بعيدة عن المنطق الذي يزعمون. وسوف استخدم لتوضيح ذلك نظرية المباريات أو مايسمى Game Theory وهي نظرية رياضية تستخدم لاتخاذ القرارات الاستراتيجية في الاقتصاد والسياسة والصراعات وبعض التطبيقات الأخرى.
الآن، لنؤسس النموذج الرياضي، انظر الى الشكل التالي:

2by2g

لدينا في هذا النموذج الاستراتيجي (Strategic Form) أو ( Normal Form) نبي يدعوة للإيمان، وقد تكون دعوته صادقة أو غير صادقة، وانسان وصلته هذه الدعوة له الخيار إما إن يؤمن أو لا يؤمن. وكل خلية في الجدول مكونة من رقمين، الرقم الاول يمثل ناتج هذه الخلية للانسان الذي يقرر بين الايمان والالحاد. والرقم الثاني يمثل الناتج للنبي الذي بلغ الرسالة.
فمثلاً، لو أخذنا الخلية الأولى، وهي تمثل انسان آمن بدعوة صادقة. الاستراتيجية في الصف (يؤمن) والعمود (صادقة) في هذه الحالة مكسب الانسان الذي وصلته الدعوة كبير جداً، والرقم 1000 مجرد رمز لايشير في الحقيقة لحجم الفائدة. لأن الدعوة لو كانت صادقة وآمن بها الانسان فإنه سيجد الجنات التي تجري من تحتها الانهار والنعيم الأبدي الذي لا شقاء فيه فيكون له الخلود في النعيم الذي لايمكن تقديره أو حسابه.
فلننتقل للخلية التالية، والتي تتكون من شخص سمع الدعوة وآمن بها، ولكنها لم تكن دعوة صادقة، النتيجة (10,0) حيث أن الذي أمن لايخسر شيئاً لو كانت الدعوة كاذبة، بل يجني مكسباً بسيطاً ربما يتمثل في بعض المحاسن التي اكتسبها بسبب هذه الدعوة من اخلاق حسنة أو روحانيات اعانته على مصاعب هذه الحياة.
أما لو اختار الانسان أن لا يؤمن، وكانت الدعوة صادقة، فإن خسارته كبيرة لا يمكن تمثيلها برقم. بل هي عذاب أبدي مقيم كما تقول لنا هذه الدعوة. فلو صدقت، يكون الانسان الملحد الغير مؤمن بالله قد ارتكب اكبر خطأ في حياته. هذا الخطأ سيحكم عليه بالشقاء الابدي. فيعيش هذه الحياة بعيداً عن الايمان بمن خلقه، وتجري عليه ماوعدت به هذه الدعوة من بعث وحساب لا يجد له جواباً.
اما لو لم يؤمن، وكانت الدعوة غير صادقة، فإن مكاسبه بسيطة لاتتجاوز حياته في هذه الدنيا.
لو افترضنا أن الانسان الذي وصلته الدعوة عاقل ومنطقي او ما يسمى Rational فإن الاستراتيجية التي سيختارها حتماً ستكون الايمان. لإن الإنسان العاقل والمنطقي يسعى لتطوير مكاسبه والتقليل من خسائره، والإيمان هو الاستراتيجية الرابحة هنا ويمثل حل منطقي أو مايسمى في توازن ناش Nash Equilibrium.
كيف واذا اكانت دعوة الأنبياء فيها علامات لتعزيز صدق دعوتهم. كيف ولنا في هذا الكون بأنظمته وابداع صنعه علامة وآية على وجود خالق، لإستحالة أن تصادف العشوائية هذا الخلق الهائل والبديع. وهذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل خاطب بها رجل من آل فرعون قومه. قد قال الله تعالى في كتابه
(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) سورة غافر، الاية ٢٨.
وكأن هذا الرجل يقول لقومه لو أمنتم وكانت الدعوة كاذبة فلستم بخاسرين، بل يعود الكذب على صاحب الدعوة، أما اذا صدقت هذه الدعوة وكنتم بها مكذبين، فسيصيبكم مايعدكم وهو عظيم.