بين التعليم المكثف والتعليم المخفف

… وهل الواقع الراهن لنظامنا التعليمي يرضي طموح أبناء شعبنا الوفي المتطلع إلى مستقبل أفضل لأبنائه وبناته؟ بالتأكيد فإن الإجابة هي النفي، فبلادنا تستحق تعليماً أفضل ومدارس افضل.

الدكتور أحمد العيسى، وزير التعليم السعودي

يبذل الآباء والأمهات في كثير من أنحاء العالم أموالاً طائلة في سبيل تعليم أبناءهم، بالذات حينما لا يتوفر التعليم المجاني الجيد سواءً التعليم الأساسي أو الجامعي. وقد التقيت ببعض الطلاب من دول اسوية مثل الصين وكوريا الجنوبية الذين تحدثوا كيف قام آباءهم وأمهاتهم بصرف مدخرات حياتهم لتعليمهم في أفضل الجامعات.

يعي الوالدين أن قراراتهم ذات تأثير كبير في منافسة أبناءهم على فرص العمل المتاحة. وفي عالم مهووس بالتنافس وصل ضغط الدراسة الأكاديمية ، مع كل أسف، للأطفال الصغار.

زوجتي متخصصة في تعليم الأطفال وقد درست وتدربت في السعودية وكندا. ومما لاحظته هي التركيز على التعليم باللعب في كندا، وقلة أو انعدام الوحدات التعليمية النمطية الثابتة، بل مناهج مرنة تدور حول فلك اهتمامات الاطفال، ممايجعل العملية التعليمية ممتعة للطفل، ومستثيرة لفضوله واكتشافه وتستحثه على ستخدام عقله وحواسه لتوسع مداركه.

التركيز على التلقين والحفظ على حساب عمق الفهم، جزء منه قد يكون موروث ثقافي حيث انه حتى عصور قريبة كانت القدرة على الحفظ من أهم خصائص طالب العلم النابغ. اليوم نجد أن اهمية الحفظ تقل كثيراً في بعض التخصصات التطبيقية، بل حتى في التخصصات التي تستدعي الحفظ، سهل استخدام الحاسب الآلي من الوصول للشواهد من مصادرها بسرعة عالية تمكن الباحث اليوم من القدرة على استدعاء المعلومات من آلاف الكتب والمجلدات دون ان تفوته شاردة ولا واردة بشكل يتفوق على أقوى الحفاظ.

عندما تزور المدارس لدينا، تجدهم يتفنون ويفاخرون ب (شدة) و (قوة) نظامهم التعليمي، الذي لا يكتفي بمناهج الوزارة، بل يضيف عليها زيادات (مكثفة) على الطلاب. يبدولي أن فهم مشكلة التعليم لدينا على قصور المناهج التعليمية من ناحية الكمية فهم خاطئ للمشكلة. أرى أن مناهجنا التعليمية الاصلية مكثفة بمافيه الكفاية بل تحتاج إلى جرعات تخفيف. كنت أتمنى أن أجد مدرسة تقول نحن ندرس مناهج مخففة. بل من الطريف أن أحد زملائي حكى لي عن اجتماع اباء مع مدير مدرسة اهلية أجنبية وقد اشتكى الآباء من أنهم بالرغم من المبالغ الطائلة التي يدفعوها كرسوم دراسية، فإن كمية مايدرسه ابناؤهم قليلة مقارنة مع مدارس اهلية اخرى. وأن على مدير المدرسة التقليل من (اللعب) والتكثير من جرعة الجدية. وكأن هناك علاقة ما كلما دفعت أكثر كلما وجب على المدرس ادخال المزيد من المعلومات على عقل طفلك.

تحسين التعليم لدينا، من وجهة نظري الشخصية، بحاجة إلى أمرين:

الأول: تطوير البيئة التعليمية: الاستثمار في البنية التحتية من فصول ومدارس يجب أن تراعى فيه المساحات الواسعة، الصيانة والنظافة بأعلى المستويات. تجهيز المدارس ليس فقط فصول وكراسي ومكيفات، المدراس بحاجة ماسة إلى بيئة مرفهة مشجعة محفزة للتجريب والعمل.
ومن الاستثمار في البيئة التعليمية المدرسة وجود المرافق الرياضية من ملاعب وصالات رياضية مغلقة ومكيفة، المسارح، الورش المهنية لتعليم الطلاب بعض الأعمال اليدوية، من نجارة وخياطة وميكانيكا خفيفة وطبخ.
ومن تطوير التجهيزات التعليمية توفير النقل المدرسي الآمن، فليس من المعقول أن يتكلف كل أب وأم بمفردهم سيارة وسائق ليوصل سكان الجنوب مدارس في الشمال وسكان الشرق مدارس في الغرب. فإن تكلفة الهدر اليومي الذي تحدثه رحلات فردية تشق المدن بطولها وعرضها أكبر بكثير من تكلفة النقل الطلابي الآمن لمدارس الجوار.

الثاني: التركيز على ماهو حقيقي وترك كل ماهو وهمي. التعليم ليس مكاناً للمجاملات. شاركت ابنتي في مدرستها بعمل فني، اعجب مدرستها فأخذته لعرضه في مكان ما. بالنسبة لابنتي ماحصل كان مفاجأً. لأن المعلمة لم تسألها عن الطريقة التي صممت ونفذت فيها العمل الفني، لم تسألها عن المواد الخام المستخدمة من بيئتها اليومية. المعلمة ركزت على منتج نهائي ربما يستخدم للعرض على الزوار أو المراقبين، ولكن الأهم في الحقيقة هو الطريقة أو العملية التي اتبعتها في التنفيذ، هدفها وفكرتها المستوحاة من ماذا، وليس المنتج النهائي الذي من الطبيعي أن لايكون على أفضل شكل. تركيزنا على المنتج هو مايؤدي بالطلاب والطالبات للاستعانة بطرف ثالث لتصميم وتنفيذ الواجبات والمشاريع، ليس فقط في التعليم الأساسي بل حتى الجامعي، بكل أسف. فيفقد المنتج قيمته الحقيقية.
مثال آخر: نعلم الأطفال في وحدة صحتي وسلامتي عن الأكل الصحي وترك السكريات والحلويات، ثم يقوم نفس المعلم أو المعلمة بمكافأة طلابه بالسكاكر، ويخرج الطلاب في الفسحة لمقصف المدرسة المتخم بكل ماهو غير صحي.
ومن التركيز على ماهو حقيقي التقليل من الكم والتركيز على الكيف (الجودة). كثرة المناهج وكثرة محتواها نعلم جميعاً أنه لايرسخ في اذهان الطلاب بعد اختبارهم النهائي. نريد تعليماً يركز على القليل، يركز على تعليم الطفل مهارات وأساليب تبقى معه مدى حياته. تعلمه التفكير والبحث، تستثير فضوله وحماسه. لاتعليماً نعلم أنه لايجاوز مسامعهم. ولنا في قول السلف أسوة حسنة: قال التابعى أبي عبدالرحمن السلمي ( حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا العلم والعمل جميعًا).

قطاعات السعودة الاستراتيجية

مع التحديات الاقتصادية الأخيرة التي صاحبها انخفاض الانفاق العام بسبب انخفاض المدخول النفطي، وقيام بعض الشركات بتسريح أعداد كبيرة من موظفيها لاسيما السعوديين حاولت وزارة العمل رفع نسبة التوطين ووقامت مثلاً بسعودة محلات الاتصالات. وتبذل الوزارة ومراقبيها مجهوداً كبيراً للتأكد من التزام المحلات بتطبيق نسبة السعودة الكاملة للقطاع.

السعودة اليوم تتطلب موقفاً ذا بعد استراتيجي يقدر ردود الفعل في الاقتصاد والمجتمع. القرار الاستراتيجي، كما تم شرحه في نظرية الألعاب، ونمذجة تحليل الصراعات، يهتم بدراسة القرار من الناحية التفاعلية. والمقصود به هنا ردود فعل الباحثين عن العمل مع قرارات  السعودة وتفاعل التجار والمستثمرين وتأثر الاقتصاد الكلي والجزئي بهذه القرارات، بل وأهمية قرار السعودة على تنمية الاقتصاد لتحقيق النمو والتحول الاقتصادي الذي نحتاجة لمواجهة تحديات المستقبل.

وبالنظر الى قدرة الشركات والاقتصاد على تحمل التكاليف الناشئة من قرارات السعودية، وتأثير ذلك على التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أولى الشركات والقطاعات بالسعودة هي:

  • الشركات الحكومية وشبه الحكومية (ملكية الدولة تفوق ٥٠٪)
  • قطاعات احتكارية محمية من المنافسة (البنوك، التأمين، الاتصالات …) غير مسموح بالمنافسين من الخارج والداخل دون تصاريح.
  • القطاعات التي تستفيد من الدعم والتمويل الحكومي (الألبان والزراعة الطاقة …)
  • القطاعات التي تعتمد على استغلال ثروات الأرض (البترول، البتروكيماويات، التعدين، الاسمنت …)

هذه القطاعات تتميز ببعض أو كل هذا الصفات:

  • قطاعات ذات ارباح عالية، أو القطاعات التي تكلفتها التشغيلية ليست في العامل البشري
  • قطاعات تستطيع دفع رواتب مجزية وتدريب العاملين السعوديين
  • قطاعات ذات أهمية لنمو البلد.
  • قطاعات للمواطن حق المشاركة فيها.

لو يصدر غداً قرار سعودتها بالكامل، فإن هذه القطاعات تستطيع المواكبة ولا يتسبب ذلك في خروجها من السوق او افلاسها، بل سعودتها ميزة استقرار واستدامة مستقبلية لها.

تخيل لو لم تحصل سعودة للمهن في شركة أرامكو السعودية؟ لكان قرار الانتاج لليوم بيد الشركة الأمريكية. الميزة الاستراتيجية لسعودة شركات بهذه الأهمية نقل المعرفة وتوطين التقنية بأيدي سعودية قادرة على النمو والتوسع بخبرة واحترافية عالية. هذه الشركات اليوم هي أهم قطاعات السعودة الكاملة (١٠٠٪).

الحكومة السعودية ممثلة بصناديق استثماراتها، وصندوقي التقاعد والتأمينات الاجتماعية، لها استثمارات ضخمة تزيد عن نصف الملكية لعدد من الشركات الكبرى في سوق الاسهم السعودية. ومن هذا المنطلق فإن هذه القطاعات هي ملك للوطن وللمواطن أولوية قصوى على غيره في سعودة جميع الوظائف في الشركات التي تملكها الدولة أو تملك حصة سوقية تتجاوز نصف اسهمها. وهذه الشركات هي التي تستطيع تحمل توطين التقنيات وتدريب السعوديين خريجي الجامعات الجدد الذين هم بأمس الحاجة للتدريب والتطوير.

ومن قطاعات السعودة الاستراتيجية، القطاعات الاحتكارية المحمية من الدولة بتقنين المنافسة الخارجية والداخلية أحياناً، مثلاً تتميز البنوك السعودية  بأرباح عالية في جو تنافسي منظم لايستطيع فيه بنك أن يقضي على اخر وهذا الحماية للقطاع ضمنت له الارباح العالية. فمن واجب هذه القطاعات ومنها قطاعي الاتصالات والتأمين، الالتزام بالسعودة الكاملة لوظائفها دون تردد. وهيئة الاتصالات تنظم المنافسة بين شركات الاتصلات وتحفظ نموها بفرض شروط زمنية وتدريجية للتصاريح الجديدة، من واجب هيئة الاتصالات أيضاً اجبار القطاع بسعودة جميع وظائفه بالكامل، هذه الشركات الكبرى هي التي تستطيع تحمل السعودة وليس دكاكين اصلاح الجوالات.

وتدعم الدولة وتمول الكثير من التجار لاقامة المشاريع الصناعية الكبرى ومن تلك المشاريع التي يمولها صندوق التنمية الصناعي وقد اقرضت الدولة قطاعات صناعية مختلفة. بلغ الحجم التراكمي لقروض قطاع الصناعات الكيميائية ٤٣ مليار ريال  على سبيل المثال، وأما قطاع الاسمنت ذي الربحية العالية والحماية الحكومية فقد بلغ حجم قروضه التراكمية أكثر من ١١٫٥ مليار ريال.

هذه القطاعات مثل البتروكمياويات، البترول، التعدين، والاسمنت، لاتكتفي بالتمويل الحكومي بل تستغل ثروات الأرض غير المتجددة، أفلا يحق لنا سعودتها بالكامل؟ ألا يجدر بهذه القطاعات التي تستهلك ثروة الأرض أن تستثمر في الانسان الذي يعيش عليها وتساهم في تنميته وتطويره وتتحمل تكاليف تدريبه؟

على رؤساء الشركات في هذه القطاعات بأن يقوموا بجزء من واجبهم تجاه الأرض التي أعطتهم من ثرواتها والحكومة التي مولتهم ودعمتهم وحمتهم من المنافسة، أن يقوموا بالحد الأدني من واجبهم بسعودة كامل وظائفهم برواتب مجزية وأن يساهموا في تنمية المواطن وتدريبه ليكون عونا على مواجهة تحديات المستقبل وعنصراً منتجاً لنفسه وأسرته وبلده. وإنه من المخجل أن يبحث صاحب قرار عن مبررات واهية ومخارج لا أخلاقية هروباً من توطين الوظائف وهو واجبهم الذي ليس لهم فيه منة، بل المنة عليهم في المورد الطبيعي والتمويل الحكومية والحماية التنطيمية. وأقول لمن يقاوم نسب السعودة البسيطة المفروضة عليهم اليوم، عليكم بمسابقة الزمن بسعودة كامل وظائفكم قبل أن تفرض عليكم. يجب على مجالس الإدارات استيعاب التغييرات القادمة وتقديم الدعم والتوجيه لشركاتهم بالسعودة الكاملة ودعم ميزانيات الرواتب والتدريب لاستدامة شركاته وتقليل المخاطر المستقبلية.

صراعات الطاقة

الطاقة جزء أساسي من اقتصاد العالم يحتاجه سكان العالم في الدول المتقدمة والدول النامية. وللطاقة مصادر عديدة ابتداءً من النفط ومروراً بطاقة المياه (طاقة المياه المتدفقة)، الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية والنووية وطاقة الرياح. ومن الناحية الاقتصادية فإن ندرة الطاقة ترفع من سعرها ووفرتها تخفض من سعرها على الدول والمستهلكين. العرض والطلب على الطاقة حسب النظريات الاقتصادية هو أحد أهم أسباب التغير السعري.

الصراعات مؤثر كبير على توفر الطاقة في العالم وبالتالي على أسعارها وتذبذباتها . من الصراعات مايمنع وصول نفط موجود في السوق الى مستهلكين في حاجة إليه. ومنها مايمنع إقامة مشاريع انتاج الكهرباء من الطاقة الهيدروليجية للمياه المتدفقة على الانهار والشلالات.

يمكن تصنيف صراعات الطاقة إلى عدة انواع، وهذا التصنيف مبنى على نوع الأهداف التي يحاول أن يصل إليها أطراف النزاعات حول الطاقة. ويمكن تلخيصها كالتالي: صراعات جيوسياسية، صراعات حول العوائد، صراعات حدودية، صراعات محلية، وصراعات حول حق الوصول للأسواق.

توصيف وشرح لكل نوع من صراعات الطاقة:

١- صراعات جيوسياسية

في الصراعات الجيوسياسية تقوم دولة تتحكم في مخزون كبير من الطاقة باستخدام نفوذها وتحكمها بالطاقة في الضغط على دول أخرى بحاجة ماسة لهذه الطاقة للحصول على ماتريد. ومثال ذلك صراع الغاز بين روسيا وأوكرانيا الذي وصل تأثيره إلى غرب أوروبا حينما أوقفت روسيا تصدير الغاز الطبيعي خلال فصول الشتاء في الأعوام ٢٠٠٦ و ٢٠٠٩ و ٢٠١٤ والذي يعتمد عليه عدد كبير من الدول في التدفئة.

٢- صراعات حول العوائد

حينما يؤدي صراع حول العوائد المالية لمشروع طاقة إلى تأجيله أو تعطيله، ومثال ذلك الصراع بين دولتي السودان وجنوب السودان. فبعد صراع عسكري طويل تم حله بفصل دولة السودان ونشوء دولة جديدة هي دولة جنوب السودان عام ٢٠١١، بدأ الصراع حول الارباح والعوائد من تصدير خام النفط بين الدولتين. حيث أن أغلب مكامن النفط تقع في دولة جنوب السودان بينما خطوط الأنابيب تحمل النفط الى موانيء التصدير في الشمال. وبعد خلاف على عوائد النفط اوقفت دولة جنوب السودان ضخ النفط في الأنابيب فحرمت نفسها ودولة السودان من العوائد بالكامل.

٣- صراعات حدودية

الصراعات على الحدود الغنية بالطاقة بين دولتين أو أكثر يعطل ويؤخر مشاريع انتاج وتصدير الطاقة. ومثال ذلك النزاع بين بوليڤيا وتشيلي. في عام ١٨٨٠ خسرت بوليڤيا ممر حدودي على المحيط الهادي لتشيلي ومنذ ذلك الحين ومطالب بوليڤيا مستمرة في مسارها الحدودي على المحيط الهادي. وفي عام ٢٠٠٣ حينما قررت بوليڤيا تصدير الغاز الطبيعي عبر موانيء تشيلية قامت معارضة محلية قوية في بوليڤيا تسبب بسقوط رئيسين لبوليڤيا وهروب الشركات المهتمة بتطوير حقول الغاز الطبيعي من البلاد بسبب الاضطراب السياسي.

٤- صراعات محلية

الصراعات المحلية التي تنشأ من مخاوف اجتماعية وبيئية ضد مشاريع طاقة تؤدي لإيقافها أو تعطيلها. ومثال ذلك مشروع خط الأنابيب كيستون اكس ال (Keystone XL Pipeline) وهو مشروع مقترح من ترانزكندا لنقل النفط الخام من ولاية البرتا الكندية الى مصافي النفط الأمريكية في ولايتي تكساس ولويزيانا. في عام ٢٠١٥ رفضت الحكومة الأمريكية السماح للمشروع بسبب المعارضة المحلية القوية الناجمة عن مخاوف بيئية لسكان المناطق المحيطة بخط الأنابيب المقترح. مثال أخر من اليابان بعد كارثة تسونامي وحادثة التسريب الاشعاعي من مفاعل فوكوشيما النووي، نشأت حركة مضادة للطاقة النووية في اليابان أدت لاغلاق العديد منها. والخوف من الطاقة النووية امتد لخارج اليابان حيث تعيق معارضة السكان في الكثير من الدول مشاريع الطاقة النووية بسبب المخاوف من مخاطرها الاشعاعية عند حدوث كوارث طبيعية.

٥- صراعات حول حق الوصول للأسواق

تعذر الوصول لأسواق الطاقة بسبب الصراع تعيق مشاريع انتاج الطاقة ومثال لذلك أكبر حقلي نفط مكتشفين في العقود الأخيرة تانجيز وكشاجن في كازاخستان على بحر قزوين. واحدة من تحديات انتاج النفط تكمن في صعوبة تصديره. حيث أن خيارات كازاخستان للتصدير عبر خطوط الآنابيب تمر  بأفغانسان وصولاً للهند ولكنها تراجعت عن ذلك بسبب غياب الاستقرار السياسي في أفغانستان. وكذلك تتردد كازاخستان في التصدير عبر روسيا لأنها ستفقد تحكمها بقرار التصدير وتخشى من وضع القرار بيد روسيا التي ترى أن لها حقوقاً في حقول نفط بحر قزوين. حيث أن حقول كازاخستان اكتشفت حينما كانت كازاخستان جزءاً من الاتحاد السوفيتي. والصراع حول حق الوصول للأسواق لايختص بأسواق النفط فقط، مثال أخر لصراع الطاقة الكندي العظيم بين ولايتين كنديتين أدى لتعطيل مشروع لانتاج الطاقة الكربائية من شلالات تشرتشل في اقليم اللابرادور منذ ١٩٦٩ وحتى اليوم. حيث أن المشروع لايعمل بطاقته الكاملة بسبب الخلاف بين ولايتي نيوفاوندلاند وكيوبيك الكنديتين. علماً بأن الطاقة التي يمكن انتاجها من المشروع في حالة اكتماله تعادل مكانة واحد من أكبر ٥ مشاريع طاقة مياه في العالم.

فهم صراعات الطاقة

لفهم صراعات الطاقة، تظهر الحاجة في تطبيق النماذج الرياضية لتحليل عمليات اتخاذ القرارات الاستراتيجية والحلول الممكنة لهذه الصراعات. الأمثلة أعلاه قائمة قصيرة وهناك العديد من صراعات الطاقة التي لم يتطرق لها هنا. النماذج الرياضية التحليلية تساهم في فهم تطور الصراع ونقاط الاتنزان المتوقعة وتأثيراته على السوق العالمية ووفرة أو ندرة موارد الطاقة. بل وتفيد النماذج الرياضية في تحليل المفاوضات والصراعات الجارية لاتخاذ القرارات الاستراتيجية الصحيحة لاطراف الصراع او الاطراف الوسطة في النزاعات الاستراتجية.

الصراعات بلاشك ليست هي المؤثر الوحيد على المعروض من الطاقة، بل هناك عوامل أخرى تقنية ومالية لها تأثير على وفرة المعروض من الطاقة في السوق العالمي والمحلي. لكن لايمكن تجاهل تأثير الصراعات والنزاعات. فجزء كبير من ندرة النفط أو وفرته على سبيل المثال مرتبط بالصراعات. العقوبات الاقتصادية على إيران ورفع العقوبات، النزاعات المسلحة في ليبيا والعراق ونيجيريا، الاضطراب السياسي في فنزويلاً، كل هذه امثلة مؤثرة بشكل كبير على أسواق النفط العالمية. وكما تم استعراض امثلة أخرى أعلاه، فإن صراعات الطاقة ليست محصورة بالنفط والغاز، ولكن لاشك أن تأثيرها كبير جداً في سوق الطاقة العالمي.

مصادر

1. Matbouli, Y. T., Hipel, K. W., and Kilgour, D. M.: Strategic Analysis of the Great Canadian Hydroelectric Power Conflict. Energy Strategy Reviews, 4:43—51 (2014)

2. Matbouli, Y. T., Kilgour, D. M., and Hipel, K. W.: Characteristics of ِEnergy Conflicts. In D. Bajwa, S. Koeszegi, and R. Vetschera, editors, Proceedings of the 16th International Conference on Group Decision & Negotiation, pages 137–141, Western Washington University, Bellingham, WA, USA, June (2016)

3. Vasquez, P. I.: Energy Conflicts: A Growing Concern in Latin America. Hemisphere, 20:12—15 (2011)

تحليل الصراعات الاستراتيجية والمفاوضات

يقول رابوبورت (Rapoport, 1974) أن الصراعات تأخد واحداً من ثلاثة أشكال: قتال، أو مباراة، أو مناظرة (Fights, Games, or Debates). القتال يمثل حالة الصراع التي يهدف فيها كل خصم الى الاضرار بخصمه كإصابته لإعاقته أو قتله. والمباراة او التباري أو اللعبة هي الحالة التي لايكون في الصراع عنف جسدي لكن يهدف فيها الخصوم الانتصار على بعضهم، بمال، جائزة، نفوذ، وما الى ذلك دون العنف الجسدي. والتناظر، أو المناظرات، هي الحالة التي يهدف فيها الخصوم بالاقناع بوجهة نظرهم وطرح الآراء المختلفة. بعض الصراعات (ومنها المفاوضات) قد تأخد عدة اشكال فقد تبدأ بمناظرة ثم مبارزة ثم قتال.

وقال آموس (Amos) في عام ١٨٨٠ أنه بتقدم الحضارة المدنية، فإن الصراعات البشرية ستتوجه لتكون من نوع المباريات (ألعاب) (Games) ومناظرات (Debates) ويقل فيها القتال (Fights).

اليوم بعد أكثر من ١٠٠ عام على نبوءة آموس، يقول بايبر (Pieper, 2008) أنه بالرغم من أنه القتال لم يتوقف في العصر الحالي، إلا أن القتال اصبح يميل الى الاستراتيجية أكثر من كونه جسدي. وبذلك يصبح القتال ليس مجرد عنف جسدي بل لعبة ذات عمق استراتيجي.

ماهو الصراع أو النزاع
الصراعات التي تهمنا في هذا المقال، هي الصراعات الاستراتيجية، التي سيتم تعريفها والمرور ببعض وسائل تحليلها. وهذا يستثني صراعات العلاقات الانسانية كعدم توافق فرق العمل واختلافات الموظفين، أو الخلافات الأسرية. ونستثني أيضاً الصراعات أحادية الجانب، مثل صراع الانسان بين الخير والشر، أو صراعه مع نفسه وأفكاره وماوراء ذلك.

الصراع (Conflict) ظاهرة معقدة وتعتبر من أصعب أنواع صناعة القرارات (Jeong et al., 2008). صناعة القرار يدرس في الجامعات من عدة جوانب، اخص منها المبنية على نظريات رياضية وهندسية. ومن ذلك مايهدف للوصول للحل الأمثل (Optimization) ومن المواد الشائعة في الإدارة والاقتصاد، وفي الهندسة وعلوم الادارة، مايسمى ببحوث العمليات (Operations Research) وهو علم باختصار يستخدم طرق تحليلية متقدمة لتحسين عملية اتخاذ القرارات.

تعتبر الصراعات من اصعب حالات الدراسة في اتخاذ القرارات لتعدد اهداف القرار وتعدد اصحاب القرار. صناعة القرار لفرد أو جهة واحدة لها هدف أو عدة أهداف، اسهل من تحليل وصناعة القرار في حالة وجود أهداف متناقضة من عدة خصوم لا يجمعهم بالضرورة اهداف مشتركة.

الصراع هو تناقض، التناقض قد يكون كاملاً بين اهداف طرفي الصراع وقد يكون جزئي. تحقيق الهدف في الصراع ليس بالضرورة حدي، بمعنى، ليست النتيجة ثنائية بالضرورة إما تحقيق الهدف وإما لا، بل تحقيق الهدف قد يكون جزئي والدافع للاستمرار في محاولة الوصول للهدف متغير حسب القرب والبعد من الهدف. وبناءً عليه هناك درجات أو مستويات للوصول للهدف وبهذا يمكن أن يحصل تقاسم بين المتخاصمين في الصراع. حيث يحقق كل منهم جزء من مراده ويقبل التنازل عن جزء اخر في سبيل انهاء الصراع.

الخصوم في الصراع قد يكونوا افراد، أو شركات، منظمات، حكومات .. الخ. أو مجموعات من واحد او اكثر من الانواع السابق ذكرها. الصراع الاستراتيجي، هو حالة الصراع بين طرفين أو أكثر لكل واحد منهم القدرة على اتخاذ قرار واحد على الاقل.

طرق التمثيل الرياضي

في الرياضيات التطبيقية، يندرج التمثيل الرياضي للصراعات تحت نظرية الألعاب أو المباريات (Game Theory) وتحديداً تحت فرع نظريات الألعاب غير التعاونية (Non-Cooperative Game Theory). التمثيل الرياضي أو النموذج الرياضي (Mathematical Model) للصراعات ولأي ظاهرة طبيعية، هو ملخص للظاهرة يهتم بالعناصر الرئيسية للنزاع وتفاعلات هذه العناصر وديناميكيتها وصولاً للحل أو الحلول الممكنة. هناك عدد من النماذج الرياضية لمحاكات حالات الصراع والتفاوض والمنافسة، ولها تطبيقات اقتصادية وتجارية وسياسية واجتماعية. لكل نموذج مميزات وعيوب وبعضها يتفوق في حالات دون أخرى.

باستخدام النظرية الكلاسيكية للالعاب (Classical Game Theory) يمكن تمثيل الصراعات عن طريق يسمى (Normal form) وهو عبارة عن مصفوفة صغيرة تمثل الأعمدة فيها استراتيجية طرف والصفوف الطرف الآخر. كل خانة مقابلة في المصفوفة تعبر عن قيمة المنفعة لكل طرف حسب استراتيجيات العمود والصف المقابلة.

الطريقة الثانية يمكن تعريبها باسم “النموذج الموسع” أو “النطاق العريض” وهو معروفة علمياً باسم (Extensive form) وتشبه بالرسم الشجري حيث يتفرع من كل قرار كل ردود الفعل الممكنة للخصوم حتى الوصول لاصغر قرار ممكن. هذه الطريقتين تم تقديمها وتعريفها رياضياً بواسطة عالم الرياضيات ڤون نيومان وعالم الاقتصاد مورجنستيرن (Von Neumann and Morgenstern, 1944) في كتابهم الشهير الذي وضعوا فيه أصول نظريات الألعاب باسم نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior).

وهناك نموذج القرار (Option form) الذي اقترحه هوارد (Howard, 1971) في كتابه معضلات (أو مفارقات) العقلانية: الألعاب والألعاب “التتابعية” والسلوك السياسي (Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior) وهو يتيح مميزات منها العرض الكامل للصراع في جدول صغير مقارنة بالنموذج الموسع، بالإضافة لعدم اعتماده بالضرورة على قيمة المنفعة (Utility Value). وهوارد عمل مستشاراً عسكرياً واقتصادياً ومستشاراً لصراعات في قضايا بيئية. وله نظريات اخرى لاحقة للتعامل مع الصراعات أهمها نظرية الدراما (Drama Theory) المختصة بتحليل المواجهات (Confrontation Analysis).

وهناك نوع أخير لتمثيل الصراعات، وهوأكثرها مرونة لتمثيل حالات مختلفة وعامة للصراعات، مايسمى بالنموذج الرسومي لحل الصراعات (The Graph Model for Conflict Resolution). بالرغم من أن بعض الأبحاث التي اقترحت فكرة النموذج الرسومي صدرت في الثمانينات الميلادية إلا أن أول كتاب صدر عام ١٩٩٣ بواسطة فانج وهايبل وكيلجور (Fang, Hipel, and Kilgour, 1993)، في كتاب اسمه صناعة القرارات التفاعلية: النموذج الرسومي لحل الصراعات (Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution).

فانج يعمل الآن أستاذاً للهندسة الصناعية بجامعة رايرسون (Ryerson University)، وهايبل أستاذاً في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو (University of Waterloo)، وكيلجور أستاذاً للرياضيات التطبيقية في جامعة ويلفرد لورييه (Wilfrid Laurier University). وجميها جامعات كندية تقع في مدن متقاربة. ومازالوا يعملون سوياً ضمن مجموعة بحثية في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو. يتميز النموذج الرسومي لحل النزاعات بأن يقدم الصراع على طريقة تحاكي لعبة الشطرنج. تشاهد في الرسمة تحرك اللاعب والتحرك المضاد. ويتميز بالمرونة في تمثيل أنواع مختلفة من التحركات تمثل قرارات استراتيجية مختلفة.

تحليل الصراعات
هناك عدة انواع لتحليل النزاعات، إما للوصول لحل للنزاع أو لاتخاذ قرارات سليمة اثناء حدوث الصراع. تعتمد طرق التحليل على طرق التمثيل الرياضي والرسومي المذكورة اعلاه. فلكل نوع طرق معينة للتحليل تتشابه وتشترك في المعنى بشكل كبير، وان كانت احياناً تختلف في تعريفها الرياضي. بعضها بسيط وسهل شرحه والاخر قد يكون معقداً الى حد ما.

احدى طرق التحليل أن تبحث عن ما اذا كانت هناك استراتيجية مهيمنة (Dominant) تمنح اللاعب أو متخذ القرار وضعاً أفضل مقارنةً بجميع استراتيجياته الأخرى. وهناك طرق أخرى تعتمد اكثرها على رؤية عدة خطوات في المستقبل. مثلاً، يحدد متخذ القرار النقطة المستقبلية التي يريد أن يصل اليها، ثم يعود للخلف ليرى ماهو الطريق الذي يقوده لها (Look forward and reason backward). وهناك الحل الشهير لجون ناش (John Nash) المعروف باسمه اتزان ناش (Nash Equilibrium) والذي يقول أن متخذ القرار مستقر في موقعه اذا لم يوجد له خيار أفضل.

مفهوم الاستقرار أو (Stability) في تحليل الصراعات هو قلب عملية التحليل والنمذجة الرياضية. هو النتيجة التي يبحث عن دارس الصراعات. يتم البحث والتحليل عن نقاط الاستقرار لكل متخذ قرار على حدة. ثم البحث عن النقاط التي يكون فيها جميع اللاعبين مستقرين وتسمى نقاط اتزان (Equilibrium Points) وهي تمثل حلول ممكنة للنزاعات. ليست بالضرورة أن تكون نقاط الاتزان مرضية لجميع الأطراف لكنها حسب ديناميكية الصراع تعتبر نقاط جامدة لايستطيع الخصوم التحرك منها.

خاتمة
المعلومات المذكور هنا تعطي فكرة مبسطة عن تحليل ونمذجة الصراعات ولاتعرض بالضرورة كل الانواع الموجودة. والاهتمام هنا محصور في الجانب الاستراتيجي دون جانب العلاقات الانسانية الذي يختلف مجاله عن التحليل الرياضي. ينقص هذا المقال أمثلة توضيحية للمفاهيم المذكورة. ربما اكتب تدوينات قادمة تكون كل واحدة مخصصة لمثال واحد حيث أن كتاب المثال الواحد طويلة وتتطلب فهم لخلفية النزاع سواءً كان منافسة تجارية، أو صناعية في قطاعات مثل الطاقة، أو بيئية. حيث أن الأمثلة المنشورة تطبيقتها في أوراق علمية كثيرة لاحصر لها.

المصادر مرتبة حسب ورودها في التدوينة

Rapoport, A. (1974). Fights, Games, and Debates. A publication from the Center for Research on Conflict Resolution, The University of Michigan. University of Michigan Press.

Amos, S. (1880). Political and Legal Remedies for War. Harper & Brothers, Franklin Square, New York.

Pieper, C. (2008). Decision theory and game theory. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict (Second Edition), pages 546 – 557. Academic Press, Oxford, second edition edition.

Jeong, H.-W., Lerche, C., and Susnjic, S. (2008). Conflict Management and Resolution. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict, pages 379 – 390. Academic Press, Oxford, second edition.

Von Neumann, J. and Morgenstern, O. (1944). Theory of Games and Economic Behaviour (Commemorative Edition). Princeton University Press.

Howard, N. (1971). Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior. MIT Press, Cambridge, Massachusetts.

Fang, L., Hipel, K. W., and Kilgour, D. M. (1993). Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution. Wiley, New York.

المخاطر الاستراتيجية

المنظمات والمؤسسات بل حتى الدول تقيم مخاطرها التقليدية لتتجنب اثارها السلبية أو التقليل منها في حال حدوثها. ما الفرق اذاً بين المخاطر الاستراتيجية والمخاطر العادية أو التقليدية؟

المخاطر التقليدية تقع ضمن أطر ممنهجة ومعروفة لدى الجهة المتعرضة للخطر. وغالباً تقع ضمن خانة المخاطر المتكررة التي قد تؤثر على الارباح أو النمو لفترات محدودة أو قصيرة تتبع دورات زمنية معينة. المخاطر الاستراتيجية، على الجانب الآخر، مخاطر مجهولة، غير ممنهجة، لايمكن غالباً استيعابها أو تقديرها ضمن منهجية أو نمذجة واضحة. وفي حالة حصول هذه الأحداث المؤثرة استراتيجياً على المنشأة أو المنظمة، فإنها قد لاتعاني انخفاضاً زمنياً أو وقتياً في أرباحها، بل قد يقضي هذا الخطر عليها بالكامل، بتعريض هذه المنشأة للافلاس، وتسريح كل الموظفين، أو قد يعرض بلد ما لمأساة اجتماعية وانسانية غير قابلة للتصحيح او التراجع عنها.

البنوك والمؤسسات المالية من أكثر من يعير للمخاطر اهتمام لكثرة تعامل البنوك مع شتى انواع العملاء والفرص الاستثمارية. فتستخدم اطر منهجية مبنية على معادلات رياضية خلف برمجيات حاسوبية يستخدمها موظفي البنوك لتقدير مخاطر الاستثمار مبنية أحياناً على تقارير اقتصادية ومالية تنتجها بعض شركات التقييم الائتماني مثل ستاندرد اند بورز. وتستخدم البنوك بعض السياسات لتقليل تعرضها للمخاطر، مثل التأمين على القروض الممنوحة، واستخدام شروط للتمويل مثلاً وجود وظيفة وراتب لطالب التمويل، او الاطلاع على التدفق النقدي للمؤسسات والشركات وأصولها المالية التي يمكن عن طريقها تعويض قرض البنك في حالة العجز عن السداد. تضع الحكومات شروطاً أحياناً على تمويل البنوك حماية لاقتصادتها من توسع القروض الخطرة من ناحية ضعف احتمالية السداد.

مثال اخر بعيد عن المخاطر المالية، يوجد في اليابان معهد أبحاث الوقاية من الكوارث، بجامعة كيوتو، وهو أكبر مركز بحثي في حماية الكوارث في آسيا، استطاع اليابانيون التخطيط الممتاز للتعامل مع مخاطر الزلازل والبراكين وموجات تسونامي ضمن مايقع ضمن اطار المتوقع حسب حصوله تاريخياً. ومايتكرر من هذه الكوارث ضمن هذه النماذج والأطر، غالباً يصاحبه القليل من الأضرار يمكن تجاوزها ضمن دورات زمنية قصيرة. لكن في عام ٢٠١١ حصلت كارثة لم يحسب لها حساب، وقد استمعت في محاضرة عامة للدكتور نوريو أوكادا–وهو رئيس سابق لمعهد أبحاث الوقاية من الكوارث بجامعة كيوتو–وهو يقول بأن ماحصل فاق سوءاً أسوأ ماتوقعنا احتمالية حدوثه (worse than the worst case scenario). أي أن حجم الكارثة أكبر من مماتخيل علماء المعهد أنه محتمل. زلازل عظيمة في البحر فاقت كل توقعات نماذج احتمالات الخطر المؤطرة، وسببت كارثة اثارها لايمكن محوها الى اليوم. تسبب بمقتل مايزيد على خمسة عشر الف شخص، ونزوح اكثر من مئتي الف عن منازلهم، واجبار العديد على الهجرة لمناطق أخرى بشكل دائم. وأجبرت اليابان على اعادة تقييم استخدامها للطاقة النووية بسبب الرعب الذي حصل من التسريب الاشعاعي وكارثة مفاعل فوكوشيما داييتشي.

المخاطر الاستراتيجية لاتجد تقديرها من ضمن المهام اليومية للعاملين أو الباحثين. يقول نسيم طالب في كتابه “The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable” أن المخاطرة نادرة الحدوث وغير المتوقعة هي أكبر مؤثر في التاريخ.

عندما حصلت أزمة الرهن العقاري التي بدأت في أواخر عام ٢٠٠٧ وامتدت لعام ٢٠٠٨. تسببت الكارثة بانهيار اقتصادي في الولايات المتحدة نتجت عنه خسارة خمسة تريليون دولار من صناديق التقاعد والادخار، ومن قيمة السوق العقارية، وفقد ثمانية ملايين وظائفهم، و فقد ستة ملايين بيوتهم التي عجزوا عن سداد قروضها، تخيل هذا فقط في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي فشلت فيه الجهات التشريعية والمؤسسات الأمريكية المالية كما اعترف الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرين سبان، في حديثه للجنة الكونجرس، عن في التنبؤ ورؤية الكارثة قبل وقوعها. بل حتى البنوك الأمريكية الضخمة بخبراءها الماليين فشلت في استشراف حصول الكارثة. طبعاً هناك من تنبأ واستشرف حدوث الكارثة بأعوام (انظر كتاب The Big Short: Inside the Doomsday Machine) لكن لم يستمع لهم الاعلاميين ولم تعر البنوك ولا مؤسسات التصنيف المالي أي اهتمام لتحذيراتهم كونها مخاطر (لم تحدث مسبقاً في التاريخ). يحكي كتاب The Big Short قصة عدة اشخاص استشرفوا حصول أزمة الرهن العقاري مبكراً، وبطرق مختلفة. أحدهم تنبأ بالخطر عن طريق قراءة تحليلية للأرقام التفصيلية للديون والاجراءات المتعلقة بالحصول عليها، التي غالباً لايقرأها أحد بهذا التفصيل. آخرين تنبهوا لذلك عندما لاحظوا تراخي البنوك في اجراءاتها للاقراض وتوسعها في الاقراض الخطر لتحقيق الأرباح السريعة. ومن القلة الذين استشرفوا الكارثة المالية استفادوا كثيراً وربحوا بلايين الدولارات من خسارة الاقتصاد الامريكي.

لاشك أن حدوث المخاطر الاستراتيجية ليس متعلقاً فقط بحوادث أو كوارث طبيعية لادخل للانسان بها. بل كثيراً ماتكون نتيجة سوء إدارة للمؤسسة أو المنظمة سواء كانت مالية، صناعية، أو غيرها. وتأثير هذه المخاطر ليس بمعزل في مجال واحد، فقد يمتد الخطر الاقتصادي الى تأثيرات اجتماعية غير قابلة للتصحيح. لاسيما نقص الغذاء وانتشار الأوبئة وفقدان الطاقة وانهيار البنية التحتية. الطبيعة المترابطة للتأثيرات السلبية والإيجابية تعني أن أي تحرك أو عدم تحرك من أحد اللاعبين قد تكون له عواقب ليست بالضرورة ضمن الاطر المعروفة والتقليدية للخطر.

التعرض للمخاطر الاستراتيجية، بعضه يمكن حسابه وتقديره كما حصل في أزمة الرهن العقاري، لكن المؤكد أن لايوجد نموذج رياضي معين لتقديره. يسخر نسيم طالب في كتابه “Antifragile: Things That Gain from Disorder” من البنوك والمؤسسات المالية التي دفعت له وطلبت منه وضع اطار ونموذج رياضي تقليدي محدد لقياس المخاطر غير التقليدية بعد شهرة كتابه السابق “The Black Swan” الذي كان جله حول عدم امكانية نمذجة وقياس المخاطر الاستراتيجية غير التقليدية بالطرق التقليدية. فقد طلبوا منه طريقة تقليدية لقياس المخاطر التي شرحها بكونها غير تقليدية وغير قابلة للنمذجة ضمن الأطر المعروفة.

يتطلب التعامل مع المخاطر الاستراتيجية كثيراً من الحكمة والرؤية المستشرفة وقوة الملاحظة للأخطاء الكارثية والعصامية العلمية التي لاتعتمد بالضرورة على السائد بل التفرد الذي يوافق المألوف ويخالفه بنظرة متجردة عن هالة العظمة وبعقلية متشككة في كل ماهو ظني ومحتمل رفعه الزمن والتكرار الى خانة الحتمي، ونظرة منطقية ترى التفاصيل الصغيرة وتأثيراتها ضمن الصورة الكبرى المترابطة للعوامل المؤثرة والمتغيرة. وكلما زاد تصديقنا واعتقادنا بثبات الواقع كلما كان وقع تغيراته أشد وآلم.

حول تلوث الهواء

تلوث الهواء يشكل خطر مباشر على صحة الإنسان، وليس خطر مؤجل أو متوقع مثل خطر التغير المناخي الذي هو نتيجة أيضاً لتلوث الهواء.

صحة كوكب الأرض في خطر، ولكن صحة الانسان في خطر أشد ومباشر من تلوث الهواء. يحمل الهواء في المدن الحديثة عوادم السيارات ودخان المصانع التي تتكون من نواتج احتراق تحمل مواد سامة ومواد مسرطنة. منظمة الصحة العالمية تقول أن تلوث الهواء هو السبب الرئيسي لسرطانات الرئة، وأمراض القلب التاجية والسكتات القلبية، وهو المسؤول عن ٧ ملايين وفاة حول العالم سنوياً.

محطات التوليد الكهربائي والمصانع وعوادم السيارات تشكل في بعض الأيام خطر أكبر من أيام أخرى حسب حالة الطقس من ضغط جوي وسرعة رياح واتجاهها. وهناك حالات كارثية حصلت في التاريخ الحديث أودت بحياة الآلاف من الناس خلال ساعات وأيام قليلة، منها حادثة لندن المشهورة حيث سببت حالة الطقس مع دخان التدفئة حالة من الضباب الدخاني (Smog) في عام ١٩٥٢ مابين ٤٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠ الف حالة وفاة مباشرة سببها تلوث الهواء، ومرض ١٠٠ الف شخص بسبب التلوث.

حادثة أخرى حصلت في مدينة بوبال في الهند، تسرب غاز من مصنع كيميائي لمواد مكافحة الحشرات عرض أكثر من ٥٠٠ الف شخص لاستنشاق الغاز بعد حادثة تسرب في المصنع سببت حسب المصادر الرسمية اكثر من ٢٠٠٠ حالة وفاة مباشرة (وتقديرات تشير أن الرقم يصل ل ٨٠٠٠) بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الاصابات الدائمة بسبب استنشاق غاز المصنع.

اليوم تعاني الكثير من مدن العالم الكبيرة من تضخم مشكلة تلوث الهواء، منها العاصمة الصينية بيكين التي تعاني بشكل مستمر من الضباب الدخاني، وكذلك عانت قبلها لوس أنجلوس الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من أنه مازالت لو أنجلوس تعاني أحيانا من الضباب الدخاني إلا أنها اليوم افضل من فترة الستينات والسبعينات الميلادية، حيث استحدثت تشريعات ساهمت في تقليل انبعاثات السيارات بفرض استخدام مايسمى ب (Catalytic Converter) وهو عبارة عن جهاز يتحكم في ملوثات الهواء عن طريق تحويل المواد السامة إلى مواد أخرى أقل سمية أو أقل ضرراً على الإنسان والبيئة. ويستخدم في السيارات بعد عملية حرق الوقود وقبل خروج الدخان من العادم. للاسف استخدام مثل هذه الأجهزة ليس بالضرورة موجود في كل العالم بل يعتمد على الأنظمة والقوانين الخاصة بالهواء في كل بلد. البلد الذي لايشترط على مصنعي السيارات استخدامه تجد السيارات تنفث مزيداً من الضرر على السكان.

توجد العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها للحد من الانبعاثات الضارة من السيارات والمصانع ومحطات توليد الكهرباء ومحطات التحلية التي تحرق الوقود الثقيل الذي يلوث الهواء أكثر من غيره. وبعض مدننا تقع بين الجبال التي تشكل حاجز طبيعي لتلوث الهواء مما يزيد خطر هذا التلوث على صحة الانسان والبيئة. لذلك علينا نعجل ونبادر بتطوير أنظمتنا البيئية للحفاظ على صحة الإنسان ولتخفيف التكاليف المستقبلية الكبيرة في حال تأخرنا في فرض أنظمة صارمة على الانبعاثات للحد منها.

ملوثات الهواء الناتجة من الاحتراق

ملوثات الهواء الناتجة من الاحتراق تختلف باختلاف المصدر، صناعي، زراعي، نقل ومواصلات. حتى نواتج الاحتراق الناتجة عن عوادم السيارات تختلف حسب نوع الوقود، حجم المحرك، ميلان الطريق، مدى صيانة المحرك، الخ. من اكثر الملوثات شيوعاً غازات الأوزن، أول وثاني أكسيد الكربون، أكاسيد النيتروجين، أكاسيد الكبريت، (ozone, CO, CO2, NOx, SOx, CH4, N2O, and particulate matter) و particulate matterعبارة عن جسيمات صغيرة مكونة من خليط من مواد صلبة وسائلة. اذا وصل قطر الجسيم ١٠ مايكرومتر أو أقل فإنها تصل للرئة وتسيء لحالة المصابين بالربو وأمراض التنفس.

تقنيات معالجة التلوث

لاتوجد تقنية واحد لتصفية كل انواع الملوثات، هناك تقنيات مختلف تعتمد على نوع الملوث. هناك فرصة مثلاً لاستخدام المرسبات الكهربائية للتقليل من مشكلة particulate matter وهي مستخدمة في أنفاق السيارات في اليابان مثلاً. هناك فرصة للتخفيف والتقليل من خطر التلوث باستخدام تقنيات معالجة للتلوث عند المصدر مثل مداخن المصانع. وهذا يتطلب قوانين تجبر المصانع على استخدام تقنيات التحكم والحد من تلوث الهواء. بالنسبة للسيارات مثلاً يستخدم اليوريا للحد من أكسيدات الكبريت الناتجة من احتراق وقود الديزل من الباصات والشاحنات. وهذا أيضاً يتطلب قوانين تحدد مواصفات قياسية جديدة لاستيراد الشاحنات. وهي مطبقة في بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. البعض يظن أن رفع تكاليف الوقود كفيلة للحد من التلوث عن طريق تحفيز كفاءة استهلاك الطاقة في المحركات، بينما صحيح أنه زيادة كفاءة محركات الاحتراق الداخلي يقلل من التلوث، ولكن كفاءة المحركات لوحدها لا تجبر على استخدام تقنيات التحكم والحد من التلوث.

تطوير الأنظمة والقوانين

تقنيات التحكم والحد من تلوث الهواء مكلفة ومن النادر أن يتطوع أصحاب المصانع وشركات النقل للاستثمار في تقنيات الحد من التلوث التي ليس لها عائد مادي مباشر. لكن في الحقيقة أن التكلفة الكلية لتلوث الهواء على الاقتصاد وصحة الانسان أكبر بكثير من تكلفة الاستثمار في تقنيات الحد من التلوث. مثلاً، تتكلف الحكومات مبالغ طائلة في علاج المصابين بحالات السرطان والسكتات القلبية، وصعوبات التنفس، والتي بحسب منظمة الصحة العالمية تلوث الهواء من أكبر المسببين لها. حتى لو لم يسبب تلوث الهواء حالة ربو فإنه لاشك يزيدها سوءاً. عليه، يجب أن تقوم الدول النامية باللحاق بالدول المتقدم في سن قوانين صارمة تحد من انبعاث الغازات الخطرة والملوثة، ليس لتجنب التغير المناخي، بل للحفاظ على صحة الناس. قوانين الحد من الانبعاثات ليست فقط حول استخدام التقنيات، بل حتى في أنواع الوقود المسموح حرقه. بعض أنواع الوقود تنتج عوادم شديدة التلوث مقارنة بأخرى.

التعامل مع التحديات بمواجهة الجوهر

نميل أحياناً عندما نواجه تحديات صعبة أن نبدأ بحل الأجزاء السهلة منها، ونترك عامل الزمن والتراكم للوصول لحل المسائل الأصعب. تصلح هذه الاستراتيجية بعض الأحيان، ولكن أحياناً أخرى التعامل مع لب وجوهر أو أصعب نقطة في التحدي هو أفضل طريقة للوصول لحلول حقيقية وجذرية.

مثلاً، لو أردنا أن نبدأ صناعة السيارات، فالاستراتيجية الطبيعية هي التدرج، تبدأ مثلاً بتجميع سيارات لشركات عالمية تورد جميع القطع. ربما تصنع بعض القطع السهلة محليا كمقاعد السيارة وزجاجها الخارجي.

أو أردنا ان نبدأ في صناعة المكيفات، نبدأ في تجميعها، ثم صناعة قطع بسيطة محلياً ربما تشمل قطع البلاستيك الخارجية والمراوح الدافعة للهواء.

حتى تعاملنا مع السعودة، انظمة وزارة العمل تضع اقل نسب السعودة المطلوبة في اصعب المجالات للسعودة، مثلاً قطاع المقاولات. ربما يعتبر أقل المجالات المطلوبة فيها نسبة السعودة. بينما وظائف التدريس وتدريجيا وظائف مكتبية في القطاع الخاص ثم سعودة وظائف البيع الى اخره.

اضافة على ذلك، خذ الصناعات المنبثقة من النفط. فمن تصدير النفط الخام، بدأنا في تصدير النفط المكرر، ثم البتروكيماويات. كلها مازالت ضمن دائرة معالجة كيميائية أولية وثانوية للنفط الخام، دون أن نصل للمنتجات النهائية المصنوعة من البلاستيك بأنواعه.

تخيل لو بدأنا صناعة المكيفات بصناعة الكمبروسر أولا واستيراد باقي القطع وتجمعها، ستكون الصناعة صعبة في بدايتها وربما احتاجت اعواماً من التطوير والتجريب، لكن بمجرد اتقان الكمبروسر سيكون مابعدها اسهل وتابع.

الاستراتيجية البديلة هي مواجهة التحدي في جوهره. قبل أن تبدأ تجميع السيارات تصنع المحركات. قبل أن نسعود الوظائف السهلة نسعود الصعبة، وسيصبح اتمام الباقي تباعاً.

مثلاً، لو أردنا سعودة وظائف البناء، فإننا نحتاج إعادة رسم سوق المقاولات والبناء السعودي. بدأ من التدريب، وحقوق العمال، وصولاً لأساليب البناء نفسها.

لن تكون سعودة قطاع المقاولات سهلة أبداً، لكن لو نجحت سعودة القطاع بشكل كبير، ستكون سعودة باقي المهن سهلة وطبيعية.

مهن البناء لاتعاني أبداً من البطالة في الدول المتقدمة، وحتى تصبح مهنة البناء مجدية لأبناء البلد، يجب أن تكون مبنية على حفظ حقوق وكرامة البنائين والفنيين المصاحبين. وذلك يبدأ بالتدريب والترخيص المشروط للمهن بناءً على التخصصية، ثم بحفظ حقوقهم المالية المجدية وقوانين السلامة الصارمة واستخدام الاجهزة المتقدمة والوسائل الحديثة في البناء. عن طريق المواد المصنعة مسبقاً وليس المبنية في الموقع. ورفع الاجور وضمان حدها الادنى الذي يوفر عيشة كريمة ورغيدة للبناء وأسرته.

أن تبدأ صناعة سيارات بصناعة محركاتها، يتطلب كثيراً من الوقت والتجريب في التصاميم والتنفيذ من قبل المهندسين والفنيين السعوديين. وهذا سيتكلف مبالغ كبيرة وسنوات عديدة لايأتيها منها عوائد ملموسة. مما سيجعل هذه مهمة صعبة للغالية لتوفير التمويل اللازم والصبر والثقة في الكفاءات المحلية للخروج بمحركات ذات كفاءة موازية للموجود في الصناعات الخبيرة.

لكن عندما ننجح في صناعة محركات كفؤة واعتمادية، وعندما نواجه لب وجوهر التحديات، سيكون للنجاج فيها تأثير الدومينو في ماهو أسهل. الاستثمار في هذه التحديات سيوفر على المدى الطويل اقتصاد أقوى وبنية علمية وتقنية قوية قادرة على تنفيذ مشاريع أصعب بمواصفات تقنية رفيعة.

وكذلك الأمر للصناعات النفطية، تقوم الشركات الكبيرة بتوفير المواد الخام بمعالجة أولية وثانوية للنفط ، وتبحث عن صغار المستثمرين ليأخذوا هذه المواد وينتجوا بها منتجات نهائية. ماذا لو قامت هذا الشركات الكبرى بتحدى نفسها بانتاج مايحتاجه المستهلكين من منتجات نهائية؟ هذ المنتجات النهائية هي مايحمل أكبر قيمة مضافة في كامل الدورة الاقتصادية للمواد الخام.

يمكن للقارئ معارضة فكرة مواجهة جوهر التحديات وتفضيل التطوير التدريجي لتقليل المخاطر. صحيح، المخاطرة اكبر على الاستثمار في اصعب جزء من منظومة صناعية مقارنة بالاستثمار التدريجي في منتجات اسهل. لكن لونظرنا للمدى الطويل، فإن تجاوز التحديات الصعبة ولو بعد حين، سيخفض من المخاطرة في ماهو أسهل بشكل كبير، ويرفع الثقة لدى المستثمرين والعاملين بإمكانية انتظار العائد المجزي على الابداع والتطوير. بل سيكون سوقها جاهزاً لوجود المهاراة اللازمة لإحداث التطوير المطلوب. استثمارات من هذا النوع تقدم تنوع حقيقي للاقتصاد وتتطلب مخاطرة وجرأة مالية وتعاون مجتمعي بين الحكومة ورجال الأعمال ومراكز الأبحاث والجامعات.

ثم إن مواجهة جوهر التحديات ربما يكون المورد الوحيد لخلق وظائف حقيقة جديدة في بلد يتزايد وصول نصفه الشاب لسن العمل. الإحلال التدريجي والسهل يسير ببطء قد يعجز في النهاية عن الوفاء بحاجات الشباب من المهن. طبعاً دون نسيان التأثير الاقتصادي الكبير بتقليل الاستيراد وتنويع مصادر الدخل.

 

نظريات اللعب (Game Theory)

توفي جون ناش (John Nash) يوم السبت قبل يومين بتاريخ ٢٣/مايو/ ٢٠١٥، وهو عالم رياضيات معروف بمساهماته في نظريات اللعب حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٤ بالشراكة مع سلتن وهارساني (Reinhard Selten and John Harsanyi) اللذين أيضاً لهما مساهمات في نظريات اللعب. ومن اللطيف ذكره انه في نفس العام ١٩٩٤ فاز ياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين بنوبل للسلام.

الحقيقة أنه يخطئ الكثير عندما يظنون أن جون ناش هو واضع لأصول نظرية الألعاب أو اللعبة Game Theory. الحقيقة أن لناش تطوير كبير في نظريات اللعب وإيجاد حلول رياضية لها. بينما أول تمثيل رياضي للنظرية صدر في كتاب عنوانه نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior) والذي صدر عام ١٩٤٤ لعالم الرياضيات جون ڤون نيومان (John von Neumann) وعالم الإقتصاد أوسكار مورجنستيرن (Oskar Morgenstern).

قبل الحديث عن ماهية نظرية الألعاب أو اللعبة أو نظريات اللعب أو المباريات (Game Theory), احتياري في الترجمة العربية نابع من عدة أمور. هذا العلم مكتوب في الأساس باللغة الإنجليزية بالصيغة (Game Theory) والتي قد توحي بوجود نظرية واحدة عامة. الحقيقة أنه هناك عدد من النظريات تتحدث عن الموضوع.

ماهي الألعاب المقصودة؟ ربما نسمع أحياناً في مقر العمل من الزملاء أو الأصدقاء “فلان لعبها صح” يشيرون بذلك لشخص عمل لصالح نفسه بشكل استراتيجي ولم تظهر النتيجة مبكراً في خطوة واحدة بل في عدة خطوات حتى وصل لما يريد. أحياناً نقولها عن شركة أو دولة.

نظرية الألعاب هي مجموعة نماذج رياضية لتمثيل القرارات التفاعلية. ماهي القرارات التفاعلية؟ ولماذا سميت بالألعاب؟

اتخاذ وصناعة القرار أنواع عدة، تختلف باختلاف عدد الاهداف وعدد المشاركين في صنع القرار. تخيل الألعاب الاستراتيجية، مثل لعبة الشطرنج أو الكيرم أو البلوت. هناك عدة لاعبين (اثنين على الأقل) القرار أو الاستراتيجية التي يتخذها كل شخص تتأثر باستراتيجيات خصومه. اللاعب الماهر هو الذي يستطيع أن يستشرف عدة خطوات مستقبيلة في اللعبة. فتجد لاعب البلوت الماهر يتوقع استراتيجيات خصمه مبكراً ويطورها بعد كل جولة. أصحاب نظرية الألعاب استوحوا النظرية من الألعاب الاستراتيجية التي يكون لها أحياناً عامل الحظ مثل رمي النرد في المونوبولي أو قوة الورق بيد لاعب البلوت. وأحيانا لاتعتمد على الحظ أو العشوائية بل على الاستراتيجيات وحدها.

مثل أصحاب نظرية اللعبة بشكل رياضي حالات اتخاذ القرارات التي لها اثنين أو اكثر من اللاعبين أو متخذي القرار. لذلك للنظرية تطبيقات كثيرة في الاقتصاد والسياسة والمنافسة والمفاوضات والصراعات ومجالات الصناعة والطاقة والخدمات، بل لها تطبيقات غير محدودة تستخدم حتى في فهم بعض السلوكيات الاجتماعية.

النموذج الرياضي للنظرية بالطبع لا يمثل كل الواقع كما هو، إنما حاله كحال كل النماذج الرياضية، يهتم بتمثيل العناصر الرئيسية التي نظن أنها مؤثرة في الظاهرة، وأهم عناصر الألعاب هي متخذي القرارات (اللاعبين Players) خياراتهم(Options or Strategies)، ورغباتهم أو تفضيلاتهم (Utility Values or Preferences).

جون ناش، كان من ابداعه أنه اقترح طرق لتحديد الاستراتيجيات المتوقعة للاعبين بناءً على العقلانية (Rationality) وإيجاد نقاط اتزان أو حل للعبة (Equilibrium Points). من عجائب إنجازاته أنه قام بها بالرغم من مرضه العقلي حيث أنه كان مصاب بانفصام في الشخصية، وهي حكاية مروية في فلم مستوحى من حياته اسمه عقل جميل (A Beautiful Mind). جون ناش قبل وفاته كان ربما أعظم المنظرين في نظرية اللعب، وله انجازات علمية مختلفة حتى خارج مجال نظرية الألعاب.

كثير من القرارات اليوم ليست بالضرورة مبينية على حلول مثالية لرغبة فردية، إنما القرارات التفاعلية حاصلة شئنا أم أبينا. مثلاً، انظر إلى أسعار تذاكر شركات الطيران العالمية. هل السعر ثابت يمثل التكلفة مع هامش الربح؟ بالطبع لا، السعر يتغير أخذاً بعين الاعتبار حالة السوق وسلوك المنافسين. القرارات اليومية للشركات الكبيرة التي تبيع البضائع الاستهلاكية، عروضها الترويجية، السياسات التسعيرية، التعامل مع منافس جديد، هل يتم تخفيض السعر بخسارة لإخراج منافس جديد من السوق مثلاً؟

السياسات الحكومية، الاقتصادية والسياسة الخارجية. السعودة مثلاً ماهو تأثيرها المتوقع على الاقتصاد، ماهي ردة فعل التجار؟ كيف نرد على ردة فعلهم؟ تصميم السياسات باحترافية يمكن أن يستفيد بشكل كبير من نظريات اللعب.

من الأمثلة التي حصلت قبل فترة، قرار السعودية في إعلان وزير البترول السعودي عدم تخفيض انتاج النفط بالرغم من تهاوي الأسعار. البعض رآها مصيبة، والبعض رآها حكمة. عدم تخفيض الإنتاج يعني استمرار تهاوي الأسعار مما يضر بالمدخول المالي للبلاد. ربما تخفيض الانتاج سيرفع الاسعار على المدى القصير، وربما يهوي بها على المدى الطويل، وسيخفض حصة المملكة من سوق النفط. الحفاظ على مستوى الإنتاج ساهم في تهاوي السعر على المدى القصير، ضغط على المنتجين الجدد عالي التكلفة وربما أخرج بعضهم من السوق، وضغط لخفض الاستثمار في استكشاف مكامن النفط على مستوى العالم، ربما هذه الاستراتيجية لم تؤدي لتعافي الأسعار، لكنها حافظت على الحصة السوقية للملكة في سوق النفط، وربما تساهم الاستراتيجية في تعافي الأسعار على المدى الطويل. يعتمد كله على ردة فعل اللاعبين الآخرين واستراتيجياتهم. مثلاً، عودة ليبيا والعراق لإنتاجهم الطبيعي ستساهم في خفض الأسعار. وكذلك رفع العقوبات الإقتصادية عن إيران، لذلك هناك أهمية متزايدة للحفاظ على حصة السوق. أيهما أفضل الحفاظ على الحصة السوقية أو الحفاظ على السعر؟ لايوجد جواب جاهز لكن استراتيجيات مختلفة يمكن تحقيق بعض من هذا وذك.

فهم نظريات واستراتيجيات اللعب ليست بالضرورة حصر على المتخصصين بل مفيدة لكل إنسان. هناك كتب لغير المختصين لتطوير استراتيجيتهم حتى في التعامل مع الأبناء! قرأت مرة أن الأطفال في بعض الأحيان يفوقوا في الدهاء الاستراتيجي والديهم. تعليم نفسك المهارات الاستراتيجية بفيدك في وظيفتك في بيتك في علاقاتك الاجتماعية، بالرغم من أني لا أظن بأن أصدقاءك وأقرباءك سيكونون سعيدين بانتصارك عليهم في كل مرة.

ذكرت في بداية المقال أن ياسرعرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين حازوا على نوبل للسلام في نفس العام الذي حصل فيه جون ناش على نوبل في الاقتصاد، لو نظرنا اليوم، من منهما كان المفاوض الأدهي استراتيجياً؟

لا شك أن العرب من أحوج الناس لتطوير استراتيجياتهم وسياساتهم لاسيما مع كثرة الصراعات في منطقتنا. هناك العديد من النظريات والنماذج الرياضية المبينية على نظرية اللعب يمكنها المساعدة في الوصول لحلول للصراعات والحروب ورسم استراتيجيات للتدخل الحكيم والعقلاني.

قبل الختام اطرح هنا اسم لكتاب مكتوب باللغة الإنجليزية أظن أنه يقدم شرحاً جيداً ومبسطاً لكثير من المفاهيم الاستراتيجية المستوحاة من نظريات اللعبة، يمكن لأي شخص قراءته.:
Thinking Strategically: The Competitive Edge In Business Politics And Everyday Life
by Avinash K Dixit and Barry J Nalebuff

اختلاف نتائج التصويت باختلاف طرقه

هناك عدد من أنظمة التصويت لاختيار فائز واحد (Single-winner). من الامثلة على استخدام التصويت لاختيار فائز واحد انتخاب رئيس مجلس ادارة شركة من قبل الاعضاء المساهمين، اختيار رئيس قسم في جامعة، او اختيار رئيس دولة بالانتخابات.

هناك انواع اخرى للتصويت لانتخاب عدة اعضاء(Multiple-winners)، ومثاله المجالس البلدية والبرلمانية والنيابية. وهذا مختلف عن اختيار فائز فردي. وهذه التدوينة تهتم بتوضيح فكرة عن بعض أنواع التصويت لاختيار فائز واحد فقط.

نوع التصويت المنتشر والمعروف بالانتخابات التعددية (Plurality Voting System) لاختيار فائز واحد في الانتخابات الرئاسية للدول يعتبر باتفاق جمع من الباحثين والعلماء في المجال أسوأ أنظمة التصويت. وهناك خلاف في أفضل الانواع. من الأمثلة على عيوب هذا النوع من أنظمة التصويت هو تعزيز لأحزاب قليلة للوصول للسلطة وربما استحالة اختراق سيطرتها كما هو الحال في نظام الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن عيوبه القطبية الطرفية، فمثلاً الفائز يكون في العادة مائلاً الى أقصى اليمين أو أقصى اليسار مع صعوبة وصول المرشحين الوسطيين.

ولنستعرض الانتخابات المصرية الأولى في عام ٢٠١٢ التي أعقبت سقوط الرئيس حسني مبارك. كانت الجولة الأخيرة من الانتخابات التعددية قطبية للغاية، مرشح يمثل التيار القديم أحمد شفيق وهو آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس حسني مبارك ومحمد مرسي ممثل الإخوان المسلمين. لايمكن أن تصل القطبية في الانتخابات المصرية الى اقصى من هذا الحد. والمشاركة في تلك الانتخابات معضلة للكثيرين فالذي يرفض النظام السابق ليس بالضرورة محب لمحمد مرسي. وهكذا ساهم نوع التصويت في زيادة الانقسام بين الثوار حتى انه رئيسهم الفائز محمد مرسي لم يصمد كثيراً في انقلاب أعاد القطب الآخر للحكم.

تخيل لو وصل للرئاسة محمود حسام أو هشام البسطويسي أو عمرو موسى أو حمدين صباحي أو محمد سليم العوا أو عبد المنعم أبو الفتوح أو غيرهم من المرشحين، سيكون الرئيس أقل قطبية وأكثر وسطية مما يسهل عملية تشكيل حكومة وطنية تلقى قبولا اعلى من أي الحزبين المتضادين.

كيف يمكن ذلك؟ كثير من الجمعيات العلمية تستخدم نظام التصويت التوافقي (Approval Voting) وفكرته هو أنه المصوّت يوافق أو لا يوافق على جميع المرشحين. والمرشح صاحب أعلى نسبة توافق يفوز بالانتخابات. هذه الطريقة تقرب المرشح الوسطي من الفوز لأنه اكثر قبولا عند القطبين من أحدهما. ومن مميزات هذا النوع هو تفكيكه لاحتكار السلطة عبر الاحزاب القوية والمتنفذة. ويساهم في التقليل من مشكلة التصويت الاستراتيجي. مثال لمشكلة التصويت الاستراتيجي: افترض شخص مؤهل للتصويت على الانتخابات الرئاسية الأمريكية رغبته الحقيقية أن يفوز مرشح الحزب الأخضر. لكن لعلمه استحالة فوز مرشحهم، ولخوفه من سياسات المرشح الجمهوري في مواضيع البيئة، فإنه اختار أن يصوت للمرشح الديموقراطي، ليس لأنه يريده بل لأنه يخشى وصول غيره. بذلك يفقد التصويت معناه لأنه من اهداف التصويت الوصول للرغبة الحقيقية للمصوّت. وهذا ما حصل في مصر، فالكثير صوت لمحمد مرسي ليس رغبةً فيه لكن خوفاً من انتصار النظام القديم والعودة لنقطة الصفر والعكس صحيح، من الناس من صوت لأحمد شفيق خوفاً من وصول الإخوان للحكم. في النظام التوافقي لايخسر مرشحك الحقيقي صوتك لأنك تستطيع أن توافق عليه وعلى غيره وترفض من تخشى وصوله.

من مشاكل نظام التصويت التعددي سهولة التلاعب في النتائج. طبعاً لا أقصد بالتلاعب الغش المباشر عن طريق التزوير وغير ذلك بل اقصد التلاعب القانوني الذي يحصل على مرأى من الجميع. مثال ذلك، لو افترضنا وجود انتخابات بين حزبين متضادين، يقوم حزب بدعم مرشح ثالث وجديد ربما بالمال والموارد البشرية والدعائية، ليس حباً في التعددية، لكن لعلمهم أن وجود المرشح الجديد سيأخد من أصوات المنافس مما قد يؤدي لحسم الانتخابات مبكراً بانقسام اصوات المنافسة. وهذا وروده وامكانيته اضعف بكثير في الانتخابات التوافقية.

طبعاً أنواع الانتخابات ليست محصورة بين هذين النوعين، بل هناك أنواع أخرى كثير منها نوع يقوم على تقييم كل مرشح، يقوم المصوّت بوضع درجة من ١٠ أو من ١٠٠ لكل المرشحين ويفور صاحب أعلى درجات، وهناك طريقة أخرى وهي ترتيب المرشحين حسب الأفضلية من أعلى مرشح قبولاً لأقل مرشح وهذا أيضاً يقربنا أكثر من المرشح الوسطي على غيره. ربما هناك ١٥ نوع من أنواع الانتخابات وهذه التدوينة القصيرة ليست على اصول البحث العلمي إنما مجرد اشارة يقصد بها توضيح بعض أمور التصويت لمن لا يعرف عن أنواعه. خصوصاً في فترة الانقسامات الحاصلة في ليبيا ومصر واليمن والعراق الذين هم أحوج مايكون لرؤساء موحدين وسطيين عوضاً عن الاستقطابات الحادة التي تعمق الصراع بين مواطني تلك البلدان. وربما يكون النوع التوافقي انسب للديموقراطيات الناشئة لضعف الثقة في الأحزاب الكبيرة والشعور العام بأنها تحاول السيطرة على السلطة دون السماح بتداولها.

 

 


هذه التدوينة مستوحاة من محاضرة Mathematics and Democracy والتي أقيمت ضمن سلسلة Bridges Lecture Series والتي تهدف لردم الفجوة بين الرياضيات والفنون.

كيف حل طبيب مشكلة انقطاع الماء في بنوم بنه

هذه قصة حقيقية سمعتها في محاضرة في الجامعة وقمت ببعض البحث للتحقق منها. سيتم ذكر المصادر اخر المقال.
كمبوديا دولة ملكية في جنوب شرق آسيا من دول العالم النامية عاصمتها بنوم بنه، عانت العاصمة كما تعاني الكثير من دول العالم النامية من كثرة انقطاع المياه وسوء جودة مياه الشرب الواصلة من البلديات. 
عين رئيس الوزراء طبيب بيطري اسمه إك سون تشان كمسؤل عن سلطة المياه في مدينة بنوم بنه عاصمة كمبوديا. عندما بدأ مهمته حاول استكشاف وضع المياه في المدينة فأسس نظاماً متكاملاً ليعرف بالضبط كميات استهلاك كل زبون، ووصول الماء للمنازل، ومن يدفع ومن لا يدفع، فخرج بمعلومات غريبة. اكتشف ان الفقراء منتظمين في دفع فواتير المياه، والأغنياء لا يدفعونها. اكتشف انه بعض الفقراء يدفع فاتورة المياه حتى لو لم تكن المياه موصله لمنازلهم. لأن الاجراءات الحكومية والبنكية تتطلب من الناس احضار فاتورتين لاثبات السكن: فاتورة المياه وفاتورة الكهرباء. فكان الفقراء يضطرون للدفع حتى لو لم تصلهم المياه.
ومما وجده أن أكبر مستهلكين للمياه في المدينة لم يدفعوا قرشاً واحداً، وهما الجيش والحكومة. ووجد أن شبكة المياه في المدينة متهالكة لدرجة أنه أكثر من ٨٠٪ من المياه يهدر في تسريبات الشبكة قبل وصوله لمنازل الناس. ووجد أن الناس لا يثقون في جودة مياه الصنبور والقادر فيهم يستخدم مياه معبأة للشرب والطبخ.
حاول أولاً أن يجبر الجيش والحكومة على دفع فواتير المياه، فبدأ بالجيش، والجيش في كمبوديا سلطة مطلقة لا يحاسبها أحد ولا يجرؤ على استفزازها إلا منتحر. فأرسل للجيش رسائل تهديد بقطع المياه، لم يرد الجيش على أي منها. ثم أرسل أحد الموظفين ليقطع المياه عن مقر الجيش، وضعوا مسدساً على رأسه وهددوه إن تجرأ على ذلك بالقتل.
فهرب الموظف وعاد إلى مديره، وعلم مديره أن الفشل في هذه الخطوة قد يقضي على كل مشروعه. فذهب لأهله وودعهم وداع من لا يرجوا أن يعود. وقيل أنه رتب ارثه ليوزع في حال وفاته، وصلى ودعا ربه أن ينجيه. ثم ذهب بنفسه ليقطع المياه عن مقر الجيش، وخرج له أحد الجنرالات وهدده بسلاحه إن هو تجرأ على قطع الماء عنهم. مضى في عمله وقطع الماء عن مقر الجيش، ولكنه قبل ذلك دعا وسائل الإعلام إلى الحدث، فكان المراسلون الصحفيون بكاميراتهم يستعدون لالتقاط صور قتله ونشرها على العالم أجمع.
تراجع الجنرال عن قتله، واضطر تحت مراقبة الصحافة أن يتركه يقطع عنهم الماء ويذهب، وفي اليوم التالي قدم الجيش المبلغ المطلوب عليهم لسلطة الماء في المدينة. وعندها استغل رئيس الوزراء الذي عينه الحدث، واعلن للناس أن الجيش والحكومة سيلتزمون من الأن فصاعداً بدفع فواتير الماء. ويشمل ذلك جميع المباني الحكومية من مدارس وادارات ووزارات. والذي لايلتزم بالدفع يقطع عنه الماء.
اليوم عاصمة كمبوديا فيها أفضل نظام لإدارة المياه في العالم، وتم تخصيص سلطة الماء في المدينة التي اصبحت من أوائل شركات سوق الأسهم في كمبوديا، وتم تخفيض الهدر في الشبكة إلى مابين ٥.٥ إلى ٦٪ وهو رقم ريادي حتى بمقارنته بمدن العالم المتقدمة التي في المتوسط تفقد حوالي ٢٣٪ من مياه الشبكة في التسريبات. والأجمل من ذلك هو أن الماء لا ينقطع عن بيوت عاصمة كمبوديا كما يحصل في مدن العالم النامي.
——————————-
يقول الرجل الذي القى المحاضرة في الجامعة أن دول الشرق الأوسط ولا سيما قطر والسعودية والكويت ومصر تفقد الكثير من مياهها في تسريبات الشبكة ويقدر ذلك بحوالي ٦٠٪ من الشبكات القديمة و ٣٠٪ من الشبكات الجديدة. وهذا يشير لسوء جودة مشاريع شبكات المياه.
ويقول أيضاً ان النظام الساري في بعض دول الشرق الأوسط من أن المياه تأتي للبيوت مرة كل عدة أيام ثم يعبئ الناس خزانات بيوتهم ثم يضخوا هذا الماء الى خزانات أخرى علوية مكلف جداً. ولو تمت ادارة صحيحة للمياه فإن المياه المنتجة اليوم في الشرق الأوسط تكفي لإمداد الناس بالماء في بيوتهم ٢٤ ساعة في اليوم دون الحاجة إلى خزانات. وأن ذلك سيوفر على الناس حوالي ٣٥٪ من تكلفة الماء.
ومن اهم ماذكره المحاضر، وهو بروفيسور عالمي نشر أكثر من ٦٠٠ ورقة علمية بحثية وحوالي ٦٤ كتاب، أنه لا يظن أن العالم يعاني من أزمة مياه، بل أزمة وكارثة في إدارة الموارد المائية. وأنه لو أدرنا الموارد المائية في العالم بصورة صحيحة وتقنيات موجودة اليوم، فإنه ستزول المشكلة حتى في الدول قليلة المياه كاليمن ومصر ودول الخليج العربي وشمال أفريقيا.
المصادر:
– محاضرة الدكتور أسيت بسواس في معهد المياه بجامعة ووترلو (رابط المحاضرة). وهنا تعريف بالدكتور أسيت.
City Water for All
– Phnom Penh Water Supply Authority
Interview with Ek Sonn Chan and this
– Ek Sonn Chan pipes something precious into the homes of Phnom Penh: safe water