الكفاءات الوهمية *

أضيف بواسطة ياسر في قسم تطوير

كان لي ولصديقي ملياني مكتب لأعمال تجارية في شارع التحلية في جدة أيام الجامعة ، مررنا بعدة تجارب فريدة أعتقد أن أحد أهمها هو عرض تجاري من نصاب ليستخدم مؤسستنا في بيع الشهادات!

اتصل بنا ذات يوم عبر الايميل رجل من جنسية عربية عرف بنفسه على أنه الدكتور عبد الحميد. وأخبرنا عن استعداده لمشاركتنا فكرته التجارية مقابل تقديم جزء من مكتبنا له ليمارس نشاطه الذي كان حسب اتصاله المبدئي يتعلق بخدمات الحجز الالكتروني في الفنادق الشرق أوسطية.

وفي لقائنا به عرفنا بأنه مهندس ودكتور في الإدارة من جامعة أمريكية ، وأنه قدم بتأشيرة للعمل كمهندس في شركة حلول كهربائية كانت من متطلبات رخصة الشركة وجود مهندس لاعتماد المخططات الكهربائية للمباني.

الذي أحضره كمهندس كهربائي طلب منه أن يذهب ويبحث عن رزقه بنفسه وأن لايزعجه ، فوجوده مسجل كموظف لديهم هو كل مايريد. وهذا المهندس الدكتور أصلاً لم يأت للبحث عن وظيفة المهندس ، إنما استخدمها لدخول البلد والعمل في نشاط تجاري آخر.

بعد أن ناقشناه في فكرته التجارية والحجز الإلكتروني ، قال بأن هذه فكرة بسيطة ، وأن فكرته التجارية الأساسية ليست هنا!

قال والحديث للدكتور عبد الحميد بنبرة حزن : “تعلمون كم من كفاءات كبيرة في هذا البلد لاتحمل شهادات جامعية بالرغم من أنهم يستحقونها ، وكم من صاحب منصب كبير في شركة كذا وكذا ، لا يحمل إلا شهادة كفاءة أو ثانوية مع أنه أفضل من مئة مهندس خريج جامعة”

أتابع والكلام للدكتور المزعوم ” أنا أريد أن أجعل رضى هؤلاء الأشخاص عن أنفسهم أفضل ، فهم في الحقيقة مع هذه المناصب والخبرة ليسوا بحاجة للشهادات الجامعية ، ولكنها مجرد بريستيج يساعدهم نفسياً”

وبدأ الدكتور يشرح لنا الطريقة ، قال بأنه مصرح له من جامعة أمريكية بمنح شهادات جامعية (بكالوريوس ، ماجستير، دكتوراة) في جميع التخصصات وأي تخصص باستثناء التخصصات الطبية. ويكون ذلك مبنياً على الكفاءة والخبرة.

سألته أنا: كيف يكون بناءاً على الكفاءة والخبرة؟

قال: أجلس مع كل متقدم للشهادة وأجري معه مقابلة شخصية في المجال الذي يريد. وأسأله عن خبرته ، وإذا وجدت أنه خبير وقد علمته جامعة الحياة نمنحه شهادة مصدقة من الخارجية الأمريكية والسفارة السعودية بواشنطن والخارجية السعودية وهي شهادات حقيقية ومعتمدة.

سألته حينها إذا كانت شهادة الدكتوراة التي يحملها ويسمي نفسه دكتور بناءً عليها من نفس الجامعة؟ أجاب بالإيجاب ، وبأنه منحها بناءً على خبرته في الإدارة.

سؤال أخير سألناه للدكتور عبد الحميد: كم المبلغ الذي تبيع بها الشهادة؟ عفواً ، تمنح به الشهادة بناءاً على الخبرة؟

قال: حسب حالة المتقدم ، هناك شهادات بعتها ب ٢٠ الف ريال وأكثر ، وهناك شهادات بعتها ب ٨٠٠ ريال. أجلس مع الشخص وأحكم على المبلغ من مايبدو لي أنه على استداد للدفع.

***

انتهت علاقتنا من وقتها بالدكتور عبد الحميد ، والذي ذكرني بالقصة ، هو ما رآه صديقي كشاجم الذي يعمل في الموارد البشرية في إحدى الشركات ، التي امتلأت فجأة بالشهادات. أحد المدراء الذي كان يعمل بشهادة دبلوم ، حصل على بكالوريوس وماجستير خلال شهرين ، والدكتوراة ستكون هدفه المقبل.

قصة أخرى

موظف بالكاد نجح وحصل على الثانوي ، أتي سعيداً ذات صباح ليقول: باركولي حصلت امس على شهادة البكالوريوس ..

ومن أين لك بالشهادة؟ متى دخلت الجامعة؟

يقول: والله أبداً، وجدت موقعا على الانترنت لجامعة امباسدور.. وراسلتهم فأخبروني أن الشهادة تكلف 17 الف ريال.. والدراسة عبارة عن كم بحث تسويها من النت في المجال الذي تريد، فقلت لهم: أريدها في هندسة الحاسب الآلي، فقالوا: ممتاز لامانع، ويمكن أن نتعاون معك في سعر الماجستر والدكتوراة إذا أردت، خصوصاً وأن شهادتنا يمكنك الإكمال عليها في جامعة عين شمس أو القاهرة في مصر، وبالمناسبة توجد لهاتين الجامعتين فروع للدراسة عن بعد في مدينة جدة يمكنك الاتصال بهم للسؤال بهذا الخصوص، كما وإن شهاداتنا في امباسدور معتمدة.

عفواً ، تقول (معتمدة) كيف يعني معتمدة؟

يقول صاحب الشهادة: يا أخي الشهادة معتمدة من وزارة الخارجية والعدل الامريكيتين والقنصلية السعودية في نيويورك ومن وزارة الخارجية السعودية، ومن المجلس العالمي للتعليم عن بعد، والمجلس الامريكي لما أدري أيه..إلخ…

طيب ممكن (نشوف) الشهادة ونتأكد من الاعتمادات التي تذكرها؟

اطلع صديقي كشاجم على الشهادة وافادنا بمايلي:

يأتي الشخص المخول من الجامعة فيوقع على الوثيقة الجامعية، ثم ترسل إلى محكمة ولاية أورلاند لتصدق على أن هذا التوقيع صحيح ويخص هؤلاء الأشخاص الموقعين على الشهادة، ثم ترسل الشهادة إلى وزارة العدل لتصدق على أن ختم محكمة ولاية أورلاند صحيح وغير مزور، ثم ترسل إلى الخارجية الأمريكية لتصدق على أن ختم محكمة ولاية أورلاند صحيح وغير مزور، ثم ترسل إلى السفارة أو القنصلية السعودية لتصدق على أن ختم وزارة الخارجية الأمريكي صحيح وغير مزور، ثم ترسل إلى وزارة الخارجية السعودية لتصدق على أن ختم القنصلية السعودية بنيويورك صحيح وغير مزور…

وبعد هذه الدوخة ترسل الشهادة إلى الشخص المطلوب ومعها ظرف ممتلئ بالمرفقات التي تصدق وتعتمد الشهادة، علما بأن ختم السفارة السعودية والخارجية السعودية ينص على أن الختم للتصديق على التوقيع دون ارتباطه بمحتوى الشهادة.

***

النتيجة المباشرة التي حصلت بعد حصول هذا الموظف على الشهادة ، استقالة جماعية من بقية الموظفين من الجامعات النظامية التي كانوا قد التحقوا بها. سواءً الانتساب أو الانتظام الجزئي.

تحقيق صحفي

موظف آخر بنفس مكان عمل صديقنا السابق ، يعمل أيضاً ضمن فريق محررين لملحق أسبوعي لجريدة محلية واسعة الانتشار، وبعد اتساع ظاهرة الشهادات المزورة ، قلنا بأنها فرصة يجب أن يستغلها لعمل تحقيق صحفي في الجريدة عن هذه الشهادات ، ولكن لاحقاً تبين أن صديقنا الصحفي الهمام ، صاحب إحدى هذه الشهادات (المضروبة)

***

يتحايل البعض على أنظمة العمل ، فيدخل بشهادات وهمية لمهن ترحب بها وزارة العمل ، ولكنها مجرد أغطية لمهن مختلفة كان يمكن أن يشغلها أي شخص آخر.

وكم من مدير فجأة قرأنا التهاني الصحفية في الجرائد بحصوله على (ماجستير) و (دكتوراة) ليزف بعدها لمنصب أعلى.

كيف يمكن أن نقضي على هذه الظاهرة؟ خصوصاً وقد سئمنا من ضعف وفشل الكفاءات في أماكن مختلفة ..

لحكومات الدول المتقدمة إجراءات مطولة للتحقق من الشهادات لأي عمالة ، سواء أتت للعمل في القطاع الحكومي أو الخاص ..

من مشاكلنا أيضاً تزوير الشهادات ، وهذه قضية أخرى مختلفة ومشابهة لبيع الشهادات. الخطورة تكمن في مسألة أخرى ألا وهي صحتنا.

انظروا لهذا المقال الذي يقول أن وزارة الصحة تعرفت على ٤ آلاف شهادة مزورة العام الماضي فقط! واقرأوا كيف أن ٧٠ استاذة جامعية تبين أن شهاداتهن مزورة. “يعملن في كلياتنا منذ سنوات”

سؤال جانبي: ألم تشعروا بعض الأحيان أن أستاذك في الجامعة أو مديرك في العمل جاهل لدرجة تشكك في تخرجه من الثانوية؟ عد للمقال السابق!

حكى لي مهندس (علمني ورباني) في شركة وطنية كبرى عن استقدام الشركة لمهندس من دولة أوروبية ، تبين فيما بعد أنه كان يعمل سائقاً لمعدات ثقيلة وليس لديه أدنى كفاءة مطلوبة للمهنة القيادة التي استقدم عليها ، حيث كان من موقعه يشرف ويدير مجموعة من المهندسين الخبراء. تم طرده بعدما تبين فشله في قراءة ابسط الخرائط.

ماتسببه هذه الكفاءات الوهمية والشهادات المزورة ، ليس فقط خسارة للمال العام ، بل قد نعاني في صحتنا وتعليمنا ، نعاني في سوء الخدمات المقدمة لنا ، ونعاني في نهوضنا كأمة بحاجة للعلم.

ومن الأضرار أيضاً ، توجه كثيرين إلى هذه الشهادات عوضاً عن الدراسة النظامية ، وتشوه هذه الشهادات من سمعة التعليم عن بعد ، حيث البعض بدأ يعتقد بعدم جدوى التعليم عن بعد الذي يعد قفزة تقنية ومعرفية بسبب انتشار (البيع عن بعد).

قد لا يكون موضوع المقال مناقشة الأساليب ، فقد كانت هناك مطالبة سابقة أول العام الجاري موجهة لوزارة التعليم العالي لإنشاء مركز وطني للحد من الشهادات المزورة.

ربما حل أخر اتخذته وزارة الداخلية وهو تدخلها رسمياً في قضايا الشهادات المزورة وعقوباتها تصل لخمسة سنوات.

تحذير آخر لهؤلاء المزورين قد يصل عن طريق صحيفة أمريكية نشرت مؤخراً قائمة بأسماء أشخاص اشتروا أو حصلوا على شهادات بأساليب غير شرعية ، والقائمة تضم أسماء لسعوديين وعرب ، حاصلين على مختلف الشهادات من بكالوريوس وماجستير ودكتوراة.

نتمنى أن تتم إقالة هؤلاء المزورين من مناصبهم التي استخدموا فيها هذه الشهادات المزورة للوصول إليها ، كما حصل من إقالة لوزير الداخلية الإيراني في الأسبوع الماضي لاعترافه أخيراً بتزوير شهادته التي ادعى أنه من جامعة أكسفورد!

يجب أن نقف ضد هذه الكفاءات الوهمية والمزورة ، وكفانا كفاءات فاشلة!

—————–
شكر خاص للصديق كشاجم على مساهمته في اثراء الموضوع بشكل كبير*.

[del.icio.us] [Facebook] [Google] [MySpace] [Technorati] [Email]



9 عدد التعليقات على “الكفاءات الوهمية *”

  1. إبراهيم القحطاني يعلق:

    ذكرتني في أحد الكورسات اللي اخذتها في الشركه … كان اللي يعطينا الكورس بريطاني الجنسيه … وهو يعتبر الخبير … والكورس كان في تخصص السيفيل … بعد سوالفنا معه عن السعوديه وبريطانيا وفرق الحياه هنا وهناك … قالنا انه كان يشتغل بناي قبل لا يجي ارامكو … وانه فيه احد من اصحابه كلمه وقاله تعال يبون ناس خبراء … روح وخذ السيرتفكيت الفلانيه وارسل لي اوراقك … وجاء وصار هو الخبير … قلت له انا .. تقصد بناي بناي ؟؟ قالي ايه طابوق واسمنت وامسح وحط :)

    وهذا الى قبل فتره وهو يعطينا الكورسات … ومن باب الأمانه كان مميز جداً ومخلص وفااااااااهم …

    وفيه شغله ثانيه على الشهاده …

    وش اللي يجبر ناس عندهم خبره ومميزين في عملهم انهم يلجئون الى الشهادات المزوره ؟
    يجبرهم النظام المتخلف … اللي يقول لهم مهما كنت مميز وفاهم واحسن واحد ماراح تترقى الى اذا عندك هالورقه …

    مثلاً عندنا واحد في الشركه رجال خبرته حول 25 سنه … وهو بدون مبالغه يعتبر مرجع للكل … وهو أفضل واحد في المعمل اللي يشتغل فيه … ويرجعون له في أي مشكله يواجهونها … ومعروف على مستوى الشركه …

    يقول بنفسه … لمجموعة مهندسين لا تتجاوز خبرتهم 3 سنوات وهم يوازونه بالدرجه الوظيفيه … يقول الله يالدنيا … كل خبرتي وفهمي لوظيفتي … تساوي هالورقه والختم اللي معكم؟

  2. بندر يعلق:

    أشكرك على التدوينة الممتعة ..
    كل شيء في السعودية حولنا مزوّر يا عزيزي ..
    ربّما في كندا كذلك .. ربّما في تايوان كل شيء أصلي ..

    إبتسم .. فأنت لست هنا !

  3. The Blood Doctor يعلق:

    ذكرتني بأحد أحد البرامج التلفزيونية حيث كان الموضوع عن بعض الجامعات الالكترونية الوهمية و التي تم كشفها عندما قامت السلطات بطلب شهادة باسم وهمي (هو اسم قطة أحد الموظفات) و أصدرت الشهادة بعد دفع الثمن!

  4. أخبار « آمنة يعلق:

    [...] للتو مقالا قرأته هنا عن الشهادات المزورة. أشار فيه الكاتب إلى أنك حين تشعر [...]

  5. ياسر يعلق:

    إبراهيم: ولو جالهم مهندس متخرج من الجامعة رفضوا يبغوا واحد (خبرة) حتى لوكانت عامل بناء ولا عامل معدات ثقيلة!

    بندر: يمكن الأصحاب بس مهم مزورين..؟ بلكن؟
    شكراً لك

    The blood doctor: جميلة هذه القصة! لاتدري ربما هناك من استصدر شهادات للجمال في الصحراء ووظفهم في جهات (مرموقة)!

  6. MiLyAni يعلق:

    ههههههههههه

    ياخي حال يبكي والله

    بس على فكرة ياسر

    رجعت ليا ذكريات

    الله يهدييييك

  7. عمرو يعلق:

    لووووووووووووول
    تصدق أن الواحد مع الدراسة خارج السعودية صار مرتاح بس أنه بيسمع القصص هذه وهو مو في السعودية ولا لو كنت لساعي بالعمل بالسعودية وقرأت الموضوع أفتكر ححتاج بعدها اروح لمستشفى الصحة العقلية

  8. ياسر يعلق:

    ملياني: تجي نفتح الدكان تاني؟

    عمرو: طيب لمن ترجع ان شاء الله نحتاج تعمل روبوت بس هدي المرة لكشف الغشاين.

  9. فارس يعلق:

    كنت في زواج قبل اسبوعين .. فيه شيه بيحكي انو كان عندهم دكتور بيطري … فجأة راح مستشفى حكومي … لقى الدكتور هذا قدامه .. سأله انتا دكتور بيطري ولا بشري؟؟!! قاله ما في فرق الحيوان يجتر و الانسان لا يجتر …

أضف تعليق