أفكار ورؤى حول توسعة الحرمين

توسعة الحرمين اصبحت من المواضيع الساخنة حيث ان هناك من يرى فيها تخريباً للاثار الاسلامية وتشويهاً للهوية السكانية، وبين من يراها مهمة وضرورية لتمكين اعداد اكبر من المسلمين من اداء فريضة الحج والعمرة بكل يسر وسهولة. واعترف بأن رأيي حول الموضوع تغير مع الزمن، فكلما تعلمت يصبح عندي تعديل في رؤيتي للتوسعة والاثار.
في جامعة الملك عبد العزيز درست الهندسة الصناعية وبحكم قرب جدة من مكة تجد الكثير من المشروعات الطلابية التي تدور حول امور تخص الحرمين. وقد كان مشروع تخرجي في البكالوريوس حول ادارة الحشود في الحرم المكي ومقارنتها بالتوسعة عن طريق تطبيق نموذج محاكاة. وتم قياس جودة حركة الحشود بواسطة معايير مشابهة لما يطبق في تصنيف المطارات، مما افادني لاحقاً في عملي في المطار، الذي تركته بعد ذلك.
نعود لموضوع التوسعة، في احدى طرق تطوير الجودة التي درستها في الجامعة طريقة تسمى Re-Engineering أو كما يترجمها بعض الاخوة: الهندرة. هذه الطريقة، والتي استهوتني ومازالت تستهويني احياناً، قائمة على فكرة الغاء كل القديم وعدم النظر اليه والاتيان بتصميم يجديد يدرس الوضع بشكل جديد دون النظر للوضع السابق.
وهذه الطريقة مفيدة احياناً، خصوصاً اذا كانت المشكلة التي تود معالجتها في وضع مأساوي وسئ للغاية، لأن التعديل على شئ سئ جداً قد يكلف اكثر من الغائه واعادة بنائه، والتعديل قد يحافظ على بعض المظاهر السيئة للخدمة او المنتج.
هذه الطريقة فكرت فيها كثيراً كأسلوب لتطوير وضع الحرم المكي خصوصاً، فاقترح بعض الطلاب في مادة الجودة (وقد وافقتهم) إعادة بناء الحرم ليكون بشكل متساوي ومنتظم، بأعمدة قليلة جداً، لتسمع برؤية الكعبة من كل دور ومن كل مكان. مشكلة اخرى هي ان صحن المطاف شبه مستطيل بسبب الرواق العثماني وهذا يخلق عنق زجاجة عند المكبريات طول فترة الطواف. مما يشكل خطراً للتدافع في هذه المناطق الضيقة.
وعندما استمعت لكلام بعض المعماريين المهتمين بالحفاظ على التراث، رأيت جزعاً وهلعاً من مشاريع التوسعة. فالقيمة الاجتماعية والتراثية لايمكن صناعتها، وهذه الاثار التاريخية تمثل هوية الانسان وهوية الدعوة التي نشأت من هذه الارض، وغياب هذا كله عن الاجيال القادمة جناية في حقهم وحقنا، ان يعيشوا منتزعين من ماضيهم. في وقت تبحث فيه بعض الدول الحديثة عن اي تراث لنفسها فلاتجده، فتضيع هوية ابنائها واجيالها.
هذا الكلام جميل، ولكنه ربما لا يكفي للاستنجاد بالعلماء والمفتين. فالعالم يرى تراثنا في القرآن والسنة النبوية، وهويتنا في قيمنا الاسلامية، وليس في بئر او سقيفة، مكتبة او مبنى، بل وربما يجد في هدم هذه الاثار خير، فإنها قد تدعو الى الشرك.
ما أود قوله، هو ان التوسعة في الحرمين ضرورية. فبعدما اصبحت لدينا توسعة ضخمة في مشعر منى وجسور الجمرات، فإن هذا العدد الهائل من الناس قد يجد خطورة حال انتقاله للطواف، فإن سعته لاتناسب السعة التي تسبقه. ثم انه من حق المسلمين في ارجاء الارض ان يأتوا ليحجوا ويعتمروا ولهم علينا حق في تسهيل ذلك عليهم ما استطعنا، وهذا واجب احترمه العرب قبل الاسلام، فما بالنا اليوم ونحن مسلمون أن نقصر في ذلك، وقد وهبنا الله الاموال والعلم والقدرة على تطوير وتسهيل اتمام الناس حجهم وعمرتهم وصلاتهم.
وكنت انتظر توسعة الحرم المكي بعد اتمام توسعة جسر الجمرات. والحقيقة اقول اني لم اتخيل هذه الجرأة في الهدم، وان كنت ارى ان بعض الاجزاء تحتاج اعادة بناء. لاسيما الرواق العثماني. وكنت اتمنى اعادة بناء التوسعة، لتناسب اكثر حركة الحشود ولتقليل الاعمدة لاتاحة رؤية متكامل للكعبة دون الحاجة للجلوس في الصحن.
وأما الحفاظ على الاثار الاسلامية والنبوية، فلا يتعارض مع التوسعة. فماذا يضير لو تم الحفاظ على كل هذه الاثار وجعلها داخل التوسعة؟ فكما حفظ لنا العرب قديماً والنبي صلى الله عليه وسلم مقام ابراهيم عليه الصلاة والسلام، مالذي يمنعنا من ان نحافظ على اثار سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم؟
وقد روي انه في عهد عمربن الخطاب رضي الله عنه، امر بتحريك المقام وابعاده قليلاً من الكعبة لتخفيف الزحام والتسهيل على الطائفين. فلم يأمر بإزالته بل تحريكه. فلو نظرنا اليوم للاثار النبوية والاسلامية في الحرمين، اذا كان منها مايمكن نقله الى متحف في مكة والمدينة، فليتم نقله، وماكان منها غير ممكن نقله، فلتبقى في اماكنها ويتم احاطتها لحمايتها بزجاج او غيره. وهذه ليست فكرة غريبة فمقام ابراهيم باق في المطاف، وغرفة ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها وفيها قبر الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم، وأصحابه أبو بكر وعمر، رضي الله عنهم. وتوجد مكتبة في الحرم النبوي داخله، ويوجد بئر زمزم في مكانه. فماوصلته امتدادات التوسعة من آثار تاريخية اسلامية فندعوا للحفاظ عليها.
أما الفنادق الحديثة، فإن الكثير منها يقع بشكل معيق للتوسعة. لاسيما بعض الجديدة منها. وهدمها خسارة مالية ربما تكون ضرورية. وهي تدعونا لموضوع الموازنة بين الفنادق وبيوت اهل مكة والمدينة. ابعاد الاهالي عن الحرمين قد يؤدي لهجرانهما. فلكلما بعدت بيوت سكان مكة والمدينة من الحرمين، كلما ازداد اعتماد نشاط الحرمين على الزوار، الذين يأتون بالطائرات والسفن والسيارات. فلو قدر الله مستقبلاً تعطلاً في حركة النقل بسبب نقص وقود او مشاكل اقتصادية وغيره، فإنه قد يكون الحرمين ومحيطهما شبه مهجور.
يبدو لي انه يجب الحفاظ على مساكن اهل مكة والمدينة من الفنادق. ويمكن اقامة احياء فندقية جديدة تكون بعيدة قليلاً عن الحرمين وموصلة بقطارات تتحرك على مدار الساعة مباشرة الى الحرمين. وتكون مدة الرحلة قصيرة ومريحة ٥ الى عشرة دقائق. فلا يشعر الزائر ببعده عن فندقه ولاحاجته لركوب السيارات. وفوائد هذه الطريقة كثيرة، تحافظ علي المكان حول الحرمين من ناطحات السحاب التي تؤثر على طقس المكان وتزيده احتقاناً بحركة الخدمات والزوار. بينما ابعادها يتيح بنيانها بارتفاعات حرة، وتنظم حركة خدماتها بما لا يعيق الزوار من حجاج ومعتمرين. وربما يسهم في تخفيض اسعارها، ويتم انشاء هذه القرى الفندقية حسب امتداد التوسعة في كل زمان، دون هدم واعادة بناء. وايقام حالة البناء الدائم حول الحرمين. بل وسيسهل ادارة الحشود الواصلة للحرمين فيتم مزامنة حركة القطارات لتصل بشكل مجدول. او وقف حركتها تماماً عند الحاجة لذلك.
آخيرا أقول بأن التوسعة تحتاج رؤية علماء وخبراء وقيادات، فمن حق المسلمين علينا ان نفعل كل مانستطيع لتسهل نسكهم، وأن نحافظ على ماحافظ عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، ومن تبعهم الى يومنا هذا. فلا نكن نحن من هدم ماحفظه سلفنا الصالح كل هذه السنين، ولا نكن نحن سبباً في هجران الحرمين، نسأل الله أن يوفق جهود التوسعة وأن يهدها إلى مافيه خير للأمة.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *