كيف حل طبيب مشكلة انقطاع الماء في بنوم بنه

هذه قصة حقيقية سمعتها في محاضرة في الجامعة وقمت ببعض البحث للتحقق منها. سيتم ذكر المصادر اخر المقال.
كمبوديا دولة ملكية في جنوب شرق آسيا من دول العالم النامية عاصمتها بنوم بنه، عانت العاصمة كما تعاني الكثير من دول العالم النامية من كثرة انقطاع المياه وسوء جودة مياه الشرب الواصلة من البلديات. 
عين رئيس الوزراء طبيب بيطري اسمه إك سون تشان كمسؤل عن سلطة المياه في مدينة بنوم بنه عاصمة كمبوديا. عندما بدأ مهمته حاول استكشاف وضع المياه في المدينة فأسس نظاماً متكاملاً ليعرف بالضبط كميات استهلاك كل زبون، ووصول الماء للمنازل، ومن يدفع ومن لا يدفع، فخرج بمعلومات غريبة. اكتشف ان الفقراء منتظمين في دفع فواتير المياه، والأغنياء لا يدفعونها. اكتشف انه بعض الفقراء يدفع فاتورة المياه حتى لو لم تكن المياه موصله لمنازلهم. لأن الاجراءات الحكومية والبنكية تتطلب من الناس احضار فاتورتين لاثبات السكن: فاتورة المياه وفاتورة الكهرباء. فكان الفقراء يضطرون للدفع حتى لو لم تصلهم المياه.
ومما وجده أن أكبر مستهلكين للمياه في المدينة لم يدفعوا قرشاً واحداً، وهما الجيش والحكومة. ووجد أن شبكة المياه في المدينة متهالكة لدرجة أنه أكثر من ٨٠٪ من المياه يهدر في تسريبات الشبكة قبل وصوله لمنازل الناس. ووجد أن الناس لا يثقون في جودة مياه الصنبور والقادر فيهم يستخدم مياه معبأة للشرب والطبخ.
حاول أولاً أن يجبر الجيش والحكومة على دفع فواتير المياه، فبدأ بالجيش، والجيش في كمبوديا سلطة مطلقة لا يحاسبها أحد ولا يجرؤ على استفزازها إلا منتحر. فأرسل للجيش رسائل تهديد بقطع المياه، لم يرد الجيش على أي منها. ثم أرسل أحد الموظفين ليقطع المياه عن مقر الجيش، وضعوا مسدساً على رأسه وهددوه إن تجرأ على ذلك بالقتل.
فهرب الموظف وعاد إلى مديره، وعلم مديره أن الفشل في هذه الخطوة قد يقضي على كل مشروعه. فذهب لأهله وودعهم وداع من لا يرجوا أن يعود. وقيل أنه رتب ارثه ليوزع في حال وفاته، وصلى ودعا ربه أن ينجيه. ثم ذهب بنفسه ليقطع المياه عن مقر الجيش، وخرج له أحد الجنرالات وهدده بسلاحه إن هو تجرأ على قطع الماء عنهم. مضى في عمله وقطع الماء عن مقر الجيش، ولكنه قبل ذلك دعا وسائل الإعلام إلى الحدث، فكان المراسلون الصحفيون بكاميراتهم يستعدون لالتقاط صور قتله ونشرها على العالم أجمع.
تراجع الجنرال عن قتله، واضطر تحت مراقبة الصحافة أن يتركه يقطع عنهم الماء ويذهب، وفي اليوم التالي قدم الجيش المبلغ المطلوب عليهم لسلطة الماء في المدينة. وعندها استغل رئيس الوزراء الذي عينه الحدث، واعلن للناس أن الجيش والحكومة سيلتزمون من الأن فصاعداً بدفع فواتير الماء. ويشمل ذلك جميع المباني الحكومية من مدارس وادارات ووزارات. والذي لايلتزم بالدفع يقطع عنه الماء.
اليوم عاصمة كمبوديا فيها أفضل نظام لإدارة المياه في العالم، وتم تخصيص سلطة الماء في المدينة التي اصبحت من أوائل شركات سوق الأسهم في كمبوديا، وتم تخفيض الهدر في الشبكة إلى مابين ٥.٥ إلى ٦٪ وهو رقم ريادي حتى بمقارنته بمدن العالم المتقدمة التي في المتوسط تفقد حوالي ٢٣٪ من مياه الشبكة في التسريبات. والأجمل من ذلك هو أن الماء لا ينقطع عن بيوت عاصمة كمبوديا كما يحصل في مدن العالم النامي.
——————————-
يقول الرجل الذي القى المحاضرة في الجامعة أن دول الشرق الأوسط ولا سيما قطر والسعودية والكويت ومصر تفقد الكثير من مياهها في تسريبات الشبكة ويقدر ذلك بحوالي ٦٠٪ من الشبكات القديمة و ٣٠٪ من الشبكات الجديدة. وهذا يشير لسوء جودة مشاريع شبكات المياه.
ويقول أيضاً ان النظام الساري في بعض دول الشرق الأوسط من أن المياه تأتي للبيوت مرة كل عدة أيام ثم يعبئ الناس خزانات بيوتهم ثم يضخوا هذا الماء الى خزانات أخرى علوية مكلف جداً. ولو تمت ادارة صحيحة للمياه فإن المياه المنتجة اليوم في الشرق الأوسط تكفي لإمداد الناس بالماء في بيوتهم ٢٤ ساعة في اليوم دون الحاجة إلى خزانات. وأن ذلك سيوفر على الناس حوالي ٣٥٪ من تكلفة الماء.
ومن اهم ماذكره المحاضر، وهو بروفيسور عالمي نشر أكثر من ٦٠٠ ورقة علمية بحثية وحوالي ٦٤ كتاب، أنه لا يظن أن العالم يعاني من أزمة مياه، بل أزمة وكارثة في إدارة الموارد المائية. وأنه لو أدرنا الموارد المائية في العالم بصورة صحيحة وتقنيات موجودة اليوم، فإنه ستزول المشكلة حتى في الدول قليلة المياه كاليمن ومصر ودول الخليج العربي وشمال أفريقيا.
المصادر:
– محاضرة الدكتور أسيت بسواس في معهد المياه بجامعة ووترلو (رابط المحاضرة). وهنا تعريف بالدكتور أسيت.
City Water for All
– Phnom Penh Water Supply Authority
Interview with Ek Sonn Chan and this
– Ek Sonn Chan pipes something precious into the homes of Phnom Penh: safe water

One thought on “كيف حل طبيب مشكلة انقطاع الماء في بنوم بنه

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *