اختلاف نتائج التصويت باختلاف طرقه

هناك عدد من أنظمة التصويت لاختيار فائز واحد (Single-winner). من الامثلة على استخدام التصويت لاختيار فائز واحد انتخاب رئيس مجلس ادارة شركة من قبل الاعضاء المساهمين، اختيار رئيس قسم في جامعة، او اختيار رئيس دولة بالانتخابات.

هناك انواع اخرى للتصويت لانتخاب عدة اعضاء(Multiple-winners)، ومثاله المجالس البلدية والبرلمانية والنيابية. وهذا مختلف عن اختيار فائز فردي. وهذه التدوينة تهتم بتوضيح فكرة عن بعض أنواع التصويت لاختيار فائز واحد فقط.

نوع التصويت المنتشر والمعروف بالانتخابات التعددية (Plurality Voting System) لاختيار فائز واحد في الانتخابات الرئاسية للدول يعتبر باتفاق جمع من الباحثين والعلماء في المجال أسوأ أنظمة التصويت. وهناك خلاف في أفضل الانواع. من الأمثلة على عيوب هذا النوع من أنظمة التصويت هو تعزيز لأحزاب قليلة للوصول للسلطة وربما استحالة اختراق سيطرتها كما هو الحال في نظام الحزبين الجمهوري والديموقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن عيوبه القطبية الطرفية، فمثلاً الفائز يكون في العادة مائلاً الى أقصى اليمين أو أقصى اليسار مع صعوبة وصول المرشحين الوسطيين.

ولنستعرض الانتخابات المصرية الأولى في عام ٢٠١٢ التي أعقبت سقوط الرئيس حسني مبارك. كانت الجولة الأخيرة من الانتخابات التعددية قطبية للغاية، مرشح يمثل التيار القديم أحمد شفيق وهو آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس حسني مبارك ومحمد مرسي ممثل الإخوان المسلمين. لايمكن أن تصل القطبية في الانتخابات المصرية الى اقصى من هذا الحد. والمشاركة في تلك الانتخابات معضلة للكثيرين فالذي يرفض النظام السابق ليس بالضرورة محب لمحمد مرسي. وهكذا ساهم نوع التصويت في زيادة الانقسام بين الثوار حتى انه رئيسهم الفائز محمد مرسي لم يصمد كثيراً في انقلاب أعاد القطب الآخر للحكم.

تخيل لو وصل للرئاسة محمود حسام أو هشام البسطويسي أو عمرو موسى أو حمدين صباحي أو محمد سليم العوا أو عبد المنعم أبو الفتوح أو غيرهم من المرشحين، سيكون الرئيس أقل قطبية وأكثر وسطية مما يسهل عملية تشكيل حكومة وطنية تلقى قبولا اعلى من أي الحزبين المتضادين.

كيف يمكن ذلك؟ كثير من الجمعيات العلمية تستخدم نظام التصويت التوافقي (Approval Voting) وفكرته هو أنه المصوّت يوافق أو لا يوافق على جميع المرشحين. والمرشح صاحب أعلى نسبة توافق يفوز بالانتخابات. هذه الطريقة تقرب المرشح الوسطي من الفوز لأنه اكثر قبولا عند القطبين من أحدهما. ومن مميزات هذا النوع هو تفكيكه لاحتكار السلطة عبر الاحزاب القوية والمتنفذة. ويساهم في التقليل من مشكلة التصويت الاستراتيجي. مثال لمشكلة التصويت الاستراتيجي: افترض شخص مؤهل للتصويت على الانتخابات الرئاسية الأمريكية رغبته الحقيقية أن يفوز مرشح الحزب الأخضر. لكن لعلمه استحالة فوز مرشحهم، ولخوفه من سياسات المرشح الجمهوري في مواضيع البيئة، فإنه اختار أن يصوت للمرشح الديموقراطي، ليس لأنه يريده بل لأنه يخشى وصول غيره. بذلك يفقد التصويت معناه لأنه من اهداف التصويت الوصول للرغبة الحقيقية للمصوّت. وهذا ما حصل في مصر، فالكثير صوت لمحمد مرسي ليس رغبةً فيه لكن خوفاً من انتصار النظام القديم والعودة لنقطة الصفر والعكس صحيح، من الناس من صوت لأحمد شفيق خوفاً من وصول الإخوان للحكم. في النظام التوافقي لايخسر مرشحك الحقيقي صوتك لأنك تستطيع أن توافق عليه وعلى غيره وترفض من تخشى وصوله.

من مشاكل نظام التصويت التعددي سهولة التلاعب في النتائج. طبعاً لا أقصد بالتلاعب الغش المباشر عن طريق التزوير وغير ذلك بل اقصد التلاعب القانوني الذي يحصل على مرأى من الجميع. مثال ذلك، لو افترضنا وجود انتخابات بين حزبين متضادين، يقوم حزب بدعم مرشح ثالث وجديد ربما بالمال والموارد البشرية والدعائية، ليس حباً في التعددية، لكن لعلمهم أن وجود المرشح الجديد سيأخد من أصوات المنافس مما قد يؤدي لحسم الانتخابات مبكراً بانقسام اصوات المنافسة. وهذا وروده وامكانيته اضعف بكثير في الانتخابات التوافقية.

طبعاً أنواع الانتخابات ليست محصورة بين هذين النوعين، بل هناك أنواع أخرى كثير منها نوع يقوم على تقييم كل مرشح، يقوم المصوّت بوضع درجة من ١٠ أو من ١٠٠ لكل المرشحين ويفور صاحب أعلى درجات، وهناك طريقة أخرى وهي ترتيب المرشحين حسب الأفضلية من أعلى مرشح قبولاً لأقل مرشح وهذا أيضاً يقربنا أكثر من المرشح الوسطي على غيره. ربما هناك ١٥ نوع من أنواع الانتخابات وهذه التدوينة القصيرة ليست على اصول البحث العلمي إنما مجرد اشارة يقصد بها توضيح بعض أمور التصويت لمن لا يعرف عن أنواعه. خصوصاً في فترة الانقسامات الحاصلة في ليبيا ومصر واليمن والعراق الذين هم أحوج مايكون لرؤساء موحدين وسطيين عوضاً عن الاستقطابات الحادة التي تعمق الصراع بين مواطني تلك البلدان. وربما يكون النوع التوافقي انسب للديموقراطيات الناشئة لضعف الثقة في الأحزاب الكبيرة والشعور العام بأنها تحاول السيطرة على السلطة دون السماح بتداولها.

 

 


هذه التدوينة مستوحاة من محاضرة Mathematics and Democracy والتي أقيمت ضمن سلسلة Bridges Lecture Series والتي تهدف لردم الفجوة بين الرياضيات والفنون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *