التعامل مع التحديات بمواجهة الجوهر

نميل أحياناً عندما نواجه تحديات صعبة أن نبدأ بحل الأجزاء السهلة منها، ونترك عامل الزمن والتراكم للوصول لحل المسائل الأصعب. تصلح هذه الاستراتيجية بعض الأحيان، ولكن أحياناً أخرى التعامل مع لب وجوهر أو أصعب نقطة في التحدي هو أفضل طريقة للوصول لحلول حقيقية وجذرية.

مثلاً، لو أردنا أن نبدأ صناعة السيارات، فالاستراتيجية الطبيعية هي التدرج، تبدأ مثلاً بتجميع سيارات لشركات عالمية تورد جميع القطع. ربما تصنع بعض القطع السهلة محليا كمقاعد السيارة وزجاجها الخارجي.

أو أردنا ان نبدأ في صناعة المكيفات، نبدأ في تجميعها، ثم صناعة قطع بسيطة محلياً ربما تشمل قطع البلاستيك الخارجية والمراوح الدافعة للهواء.

حتى تعاملنا مع السعودة، انظمة وزارة العمل تضع اقل نسب السعودة المطلوبة في اصعب المجالات للسعودة، مثلاً قطاع المقاولات. ربما يعتبر أقل المجالات المطلوبة فيها نسبة السعودة. بينما وظائف التدريس وتدريجيا وظائف مكتبية في القطاع الخاص ثم سعودة وظائف البيع الى اخره.

اضافة على ذلك، خذ الصناعات المنبثقة من النفط. فمن تصدير النفط الخام، بدأنا في تصدير النفط المكرر، ثم البتروكيماويات. كلها مازالت ضمن دائرة معالجة كيميائية أولية وثانوية للنفط الخام، دون أن نصل للمنتجات النهائية المصنوعة من البلاستيك بأنواعه.

تخيل لو بدأنا صناعة المكيفات بصناعة الكمبروسر أولا واستيراد باقي القطع وتجمعها، ستكون الصناعة صعبة في بدايتها وربما احتاجت اعواماً من التطوير والتجريب، لكن بمجرد اتقان الكمبروسر سيكون مابعدها اسهل وتابع.

الاستراتيجية البديلة هي مواجهة التحدي في جوهره. قبل أن تبدأ تجميع السيارات تصنع المحركات. قبل أن نسعود الوظائف السهلة نسعود الصعبة، وسيصبح اتمام الباقي تباعاً.

مثلاً، لو أردنا سعودة وظائف البناء، فإننا نحتاج إعادة رسم سوق المقاولات والبناء السعودي. بدأ من التدريب، وحقوق العمال، وصولاً لأساليب البناء نفسها.

لن تكون سعودة قطاع المقاولات سهلة أبداً، لكن لو نجحت سعودة القطاع بشكل كبير، ستكون سعودة باقي المهن سهلة وطبيعية.

مهن البناء لاتعاني أبداً من البطالة في الدول المتقدمة، وحتى تصبح مهنة البناء مجدية لأبناء البلد، يجب أن تكون مبنية على حفظ حقوق وكرامة البنائين والفنيين المصاحبين. وذلك يبدأ بالتدريب والترخيص المشروط للمهن بناءً على التخصصية، ثم بحفظ حقوقهم المالية المجدية وقوانين السلامة الصارمة واستخدام الاجهزة المتقدمة والوسائل الحديثة في البناء. عن طريق المواد المصنعة مسبقاً وليس المبنية في الموقع. ورفع الاجور وضمان حدها الادنى الذي يوفر عيشة كريمة ورغيدة للبناء وأسرته.

أن تبدأ صناعة سيارات بصناعة محركاتها، يتطلب كثيراً من الوقت والتجريب في التصاميم والتنفيذ من قبل المهندسين والفنيين السعوديين. وهذا سيتكلف مبالغ كبيرة وسنوات عديدة لايأتيها منها عوائد ملموسة. مما سيجعل هذه مهمة صعبة للغالية لتوفير التمويل اللازم والصبر والثقة في الكفاءات المحلية للخروج بمحركات ذات كفاءة موازية للموجود في الصناعات الخبيرة.

لكن عندما ننجح في صناعة محركات كفؤة واعتمادية، وعندما نواجه لب وجوهر التحديات، سيكون للنجاج فيها تأثير الدومينو في ماهو أسهل. الاستثمار في هذه التحديات سيوفر على المدى الطويل اقتصاد أقوى وبنية علمية وتقنية قوية قادرة على تنفيذ مشاريع أصعب بمواصفات تقنية رفيعة.

وكذلك الأمر للصناعات النفطية، تقوم الشركات الكبيرة بتوفير المواد الخام بمعالجة أولية وثانوية للنفط ، وتبحث عن صغار المستثمرين ليأخذوا هذه المواد وينتجوا بها منتجات نهائية. ماذا لو قامت هذا الشركات الكبرى بتحدى نفسها بانتاج مايحتاجه المستهلكين من منتجات نهائية؟ هذ المنتجات النهائية هي مايحمل أكبر قيمة مضافة في كامل الدورة الاقتصادية للمواد الخام.

يمكن للقارئ معارضة فكرة مواجهة جوهر التحديات وتفضيل التطوير التدريجي لتقليل المخاطر. صحيح، المخاطرة اكبر على الاستثمار في اصعب جزء من منظومة صناعية مقارنة بالاستثمار التدريجي في منتجات اسهل. لكن لونظرنا للمدى الطويل، فإن تجاوز التحديات الصعبة ولو بعد حين، سيخفض من المخاطرة في ماهو أسهل بشكل كبير، ويرفع الثقة لدى المستثمرين والعاملين بإمكانية انتظار العائد المجزي على الابداع والتطوير. بل سيكون سوقها جاهزاً لوجود المهاراة اللازمة لإحداث التطوير المطلوب. استثمارات من هذا النوع تقدم تنوع حقيقي للاقتصاد وتتطلب مخاطرة وجرأة مالية وتعاون مجتمعي بين الحكومة ورجال الأعمال ومراكز الأبحاث والجامعات.

ثم إن مواجهة جوهر التحديات ربما يكون المورد الوحيد لخلق وظائف حقيقة جديدة في بلد يتزايد وصول نصفه الشاب لسن العمل. الإحلال التدريجي والسهل يسير ببطء قد يعجز في النهاية عن الوفاء بحاجات الشباب من المهن. طبعاً دون نسيان التأثير الاقتصادي الكبير بتقليل الاستيراد وتنويع مصادر الدخل.

 

2 thoughts on “التعامل مع التحديات بمواجهة الجوهر

  1. فتح الله لك ورزقك العلم النافع والرزق الواسع والحياة السعيدة لاتشكي همًا ولاحزنًا وأتم لك الصحة والعافية ورضوانه وبارك لك ونفع بعلمك🎯

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *