حول تلوث الهواء

تلوث الهواء يشكل خطر مباشر على صحة الإنسان، وليس خطر مؤجل أو متوقع مثل خطر التغير المناخي الذي هو نتيجة أيضاً لتلوث الهواء.

صحة كوكب الأرض في خطر، ولكن صحة الانسان في خطر أشد ومباشر من تلوث الهواء. يحمل الهواء في المدن الحديثة عوادم السيارات ودخان المصانع التي تتكون من نواتج احتراق تحمل مواد سامة ومواد مسرطنة. منظمة الصحة العالمية تقول أن تلوث الهواء هو السبب الرئيسي لسرطانات الرئة، وأمراض القلب التاجية والسكتات القلبية، وهو المسؤول عن ٧ ملايين وفاة حول العالم سنوياً.

محطات التوليد الكهربائي والمصانع وعوادم السيارات تشكل في بعض الأيام خطر أكبر من أيام أخرى حسب حالة الطقس من ضغط جوي وسرعة رياح واتجاهها. وهناك حالات كارثية حصلت في التاريخ الحديث أودت بحياة الآلاف من الناس خلال ساعات وأيام قليلة، منها حادثة لندن المشهورة حيث سببت حالة الطقس مع دخان التدفئة حالة من الضباب الدخاني (Smog) في عام ١٩٥٢ مابين ٤٠٠٠ إلى ١٢٠٠٠ الف حالة وفاة مباشرة سببها تلوث الهواء، ومرض ١٠٠ الف شخص بسبب التلوث.

حادثة أخرى حصلت في مدينة بوبال في الهند، تسرب غاز من مصنع كيميائي لمواد مكافحة الحشرات عرض أكثر من ٥٠٠ الف شخص لاستنشاق الغاز بعد حادثة تسرب في المصنع سببت حسب المصادر الرسمية اكثر من ٢٠٠٠ حالة وفاة مباشرة (وتقديرات تشير أن الرقم يصل ل ٨٠٠٠) بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الاصابات الدائمة بسبب استنشاق غاز المصنع.

اليوم تعاني الكثير من مدن العالم الكبيرة من تضخم مشكلة تلوث الهواء، منها العاصمة الصينية بيكين التي تعاني بشكل مستمر من الضباب الدخاني، وكذلك عانت قبلها لوس أنجلوس الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. وبالرغم من أنه مازالت لو أنجلوس تعاني أحيانا من الضباب الدخاني إلا أنها اليوم افضل من فترة الستينات والسبعينات الميلادية، حيث استحدثت تشريعات ساهمت في تقليل انبعاثات السيارات بفرض استخدام مايسمى ب (Catalytic Converter) وهو عبارة عن جهاز يتحكم في ملوثات الهواء عن طريق تحويل المواد السامة إلى مواد أخرى أقل سمية أو أقل ضرراً على الإنسان والبيئة. ويستخدم في السيارات بعد عملية حرق الوقود وقبل خروج الدخان من العادم. للاسف استخدام مثل هذه الأجهزة ليس بالضرورة موجود في كل العالم بل يعتمد على الأنظمة والقوانين الخاصة بالهواء في كل بلد. البلد الذي لايشترط على مصنعي السيارات استخدامه تجد السيارات تنفث مزيداً من الضرر على السكان.

توجد العديد من التقنيات التي يمكن استخدامها للحد من الانبعاثات الضارة من السيارات والمصانع ومحطات توليد الكهرباء ومحطات التحلية التي تحرق الوقود الثقيل الذي يلوث الهواء أكثر من غيره. وبعض مدننا تقع بين الجبال التي تشكل حاجز طبيعي لتلوث الهواء مما يزيد خطر هذا التلوث على صحة الانسان والبيئة. لذلك علينا نعجل ونبادر بتطوير أنظمتنا البيئية للحفاظ على صحة الإنسان ولتخفيف التكاليف المستقبلية الكبيرة في حال تأخرنا في فرض أنظمة صارمة على الانبعاثات للحد منها.

ملوثات الهواء الناتجة من الاحتراق

ملوثات الهواء الناتجة من الاحتراق تختلف باختلاف المصدر، صناعي، زراعي، نقل ومواصلات. حتى نواتج الاحتراق الناتجة عن عوادم السيارات تختلف حسب نوع الوقود، حجم المحرك، ميلان الطريق، مدى صيانة المحرك، الخ. من اكثر الملوثات شيوعاً غازات الأوزن، أول وثاني أكسيد الكربون، أكاسيد النيتروجين، أكاسيد الكبريت، (ozone, CO, CO2, NOx, SOx, CH4, N2O, and particulate matter) و particulate matterعبارة عن جسيمات صغيرة مكونة من خليط من مواد صلبة وسائلة. اذا وصل قطر الجسيم ١٠ مايكرومتر أو أقل فإنها تصل للرئة وتسيء لحالة المصابين بالربو وأمراض التنفس.

تقنيات معالجة التلوث

لاتوجد تقنية واحد لتصفية كل انواع الملوثات، هناك تقنيات مختلف تعتمد على نوع الملوث. هناك فرصة مثلاً لاستخدام المرسبات الكهربائية للتقليل من مشكلة particulate matter وهي مستخدمة في أنفاق السيارات في اليابان مثلاً. هناك فرصة للتخفيف والتقليل من خطر التلوث باستخدام تقنيات معالجة للتلوث عند المصدر مثل مداخن المصانع. وهذا يتطلب قوانين تجبر المصانع على استخدام تقنيات التحكم والحد من تلوث الهواء. بالنسبة للسيارات مثلاً يستخدم اليوريا للحد من أكسيدات الكبريت الناتجة من احتراق وقود الديزل من الباصات والشاحنات. وهذا أيضاً يتطلب قوانين تحدد مواصفات قياسية جديدة لاستيراد الشاحنات. وهي مطبقة في بعض الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية. البعض يظن أن رفع تكاليف الوقود كفيلة للحد من التلوث عن طريق تحفيز كفاءة استهلاك الطاقة في المحركات، بينما صحيح أنه زيادة كفاءة محركات الاحتراق الداخلي يقلل من التلوث، ولكن كفاءة المحركات لوحدها لا تجبر على استخدام تقنيات التحكم والحد من التلوث.

تطوير الأنظمة والقوانين

تقنيات التحكم والحد من تلوث الهواء مكلفة ومن النادر أن يتطوع أصحاب المصانع وشركات النقل للاستثمار في تقنيات الحد من التلوث التي ليس لها عائد مادي مباشر. لكن في الحقيقة أن التكلفة الكلية لتلوث الهواء على الاقتصاد وصحة الانسان أكبر بكثير من تكلفة الاستثمار في تقنيات الحد من التلوث. مثلاً، تتكلف الحكومات مبالغ طائلة في علاج المصابين بحالات السرطان والسكتات القلبية، وصعوبات التنفس، والتي بحسب منظمة الصحة العالمية تلوث الهواء من أكبر المسببين لها. حتى لو لم يسبب تلوث الهواء حالة ربو فإنه لاشك يزيدها سوءاً. عليه، يجب أن تقوم الدول النامية باللحاق بالدول المتقدم في سن قوانين صارمة تحد من انبعاث الغازات الخطرة والملوثة، ليس لتجنب التغير المناخي، بل للحفاظ على صحة الناس. قوانين الحد من الانبعاثات ليست فقط حول استخدام التقنيات، بل حتى في أنواع الوقود المسموح حرقه. بعض أنواع الوقود تنتج عوادم شديدة التلوث مقارنة بأخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *