بين التعليم المكثف والتعليم المخفف

… وهل الواقع الراهن لنظامنا التعليمي يرضي طموح أبناء شعبنا الوفي المتطلع إلى مستقبل أفضل لأبنائه وبناته؟ بالتأكيد فإن الإجابة هي النفي، فبلادنا تستحق تعليماً أفضل ومدارس افضل.

الدكتور أحمد العيسى، وزير التعليم السعودي

يبذل الآباء والأمهات في كثير من أنحاء العالم أموالاً طائلة في سبيل تعليم أبناءهم، بالذات حينما لا يتوفر التعليم المجاني الجيد سواءً التعليم الأساسي أو الجامعي. وقد التقيت ببعض الطلاب من دول اسوية مثل الصين وكوريا الجنوبية الذين تحدثوا كيف قام آباءهم وأمهاتهم بصرف مدخرات حياتهم لتعليمهم في أفضل الجامعات.

يعي الوالدين أن قراراتهم ذات تأثير كبير في منافسة أبناءهم على فرص العمل المتاحة. وفي عالم مهووس بالتنافس وصل ضغط الدراسة الأكاديمية ، مع كل أسف، للأطفال الصغار.

زوجتي متخصصة في تعليم الأطفال وقد درست وتدربت في السعودية وكندا. ومما لاحظته هي التركيز على التعليم باللعب في كندا، وقلة أو انعدام الوحدات التعليمية النمطية الثابتة، بل مناهج مرنة تدور حول فلك اهتمامات الاطفال، ممايجعل العملية التعليمية ممتعة للطفل، ومستثيرة لفضوله واكتشافه وتستحثه على ستخدام عقله وحواسه لتوسع مداركه.

التركيز على التلقين والحفظ على حساب عمق الفهم، جزء منه قد يكون موروث ثقافي حيث انه حتى عصور قريبة كانت القدرة على الحفظ من أهم خصائص طالب العلم النابغ. اليوم نجد أن اهمية الحفظ تقل كثيراً في بعض التخصصات التطبيقية، بل حتى في التخصصات التي تستدعي الحفظ، سهل استخدام الحاسب الآلي من الوصول للشواهد من مصادرها بسرعة عالية تمكن الباحث اليوم من القدرة على استدعاء المعلومات من آلاف الكتب والمجلدات دون ان تفوته شاردة ولا واردة بشكل يتفوق على أقوى الحفاظ.

عندما تزور المدارس لدينا، تجدهم يتفنون ويفاخرون ب (شدة) و (قوة) نظامهم التعليمي، الذي لا يكتفي بمناهج الوزارة، بل يضيف عليها زيادات (مكثفة) على الطلاب. يبدولي أن فهم مشكلة التعليم لدينا على قصور المناهج التعليمية من ناحية الكمية فهم خاطئ للمشكلة. أرى أن مناهجنا التعليمية الاصلية مكثفة بمافيه الكفاية بل تحتاج إلى جرعات تخفيف. كنت أتمنى أن أجد مدرسة تقول نحن ندرس مناهج مخففة. بل من الطريف أن أحد زملائي حكى لي عن اجتماع اباء مع مدير مدرسة اهلية أجنبية وقد اشتكى الآباء من أنهم بالرغم من المبالغ الطائلة التي يدفعوها كرسوم دراسية، فإن كمية مايدرسه ابناؤهم قليلة مقارنة مع مدارس اهلية اخرى. وأن على مدير المدرسة التقليل من (اللعب) والتكثير من جرعة الجدية. وكأن هناك علاقة ما كلما دفعت أكثر كلما وجب على المدرس ادخال المزيد من المعلومات على عقل طفلك.

تحسين التعليم لدينا، من وجهة نظري الشخصية، بحاجة إلى أمرين:

الأول: تطوير البيئة التعليمية: الاستثمار في البنية التحتية من فصول ومدارس يجب أن تراعى فيه المساحات الواسعة، الصيانة والنظافة بأعلى المستويات. تجهيز المدارس ليس فقط فصول وكراسي ومكيفات، المدراس بحاجة ماسة إلى بيئة مرفهة مشجعة محفزة للتجريب والعمل.
ومن الاستثمار في البيئة التعليمية المدرسة وجود المرافق الرياضية من ملاعب وصالات رياضية مغلقة ومكيفة، المسارح، الورش المهنية لتعليم الطلاب بعض الأعمال اليدوية، من نجارة وخياطة وميكانيكا خفيفة وطبخ.
ومن تطوير التجهيزات التعليمية توفير النقل المدرسي الآمن، فليس من المعقول أن يتكلف كل أب وأم بمفردهم سيارة وسائق ليوصل سكان الجنوب مدارس في الشمال وسكان الشرق مدارس في الغرب. فإن تكلفة الهدر اليومي الذي تحدثه رحلات فردية تشق المدن بطولها وعرضها أكبر بكثير من تكلفة النقل الطلابي الآمن لمدارس الجوار.

الثاني: التركيز على ماهو حقيقي وترك كل ماهو وهمي. التعليم ليس مكاناً للمجاملات. شاركت ابنتي في مدرستها بعمل فني، اعجب مدرستها فأخذته لعرضه في مكان ما. بالنسبة لابنتي ماحصل كان مفاجأً. لأن المعلمة لم تسألها عن الطريقة التي صممت ونفذت فيها العمل الفني، لم تسألها عن المواد الخام المستخدمة من بيئتها اليومية. المعلمة ركزت على منتج نهائي ربما يستخدم للعرض على الزوار أو المراقبين، ولكن الأهم في الحقيقة هو الطريقة أو العملية التي اتبعتها في التنفيذ، هدفها وفكرتها المستوحاة من ماذا، وليس المنتج النهائي الذي من الطبيعي أن لايكون على أفضل شكل. تركيزنا على المنتج هو مايؤدي بالطلاب والطالبات للاستعانة بطرف ثالث لتصميم وتنفيذ الواجبات والمشاريع، ليس فقط في التعليم الأساسي بل حتى الجامعي، بكل أسف. فيفقد المنتج قيمته الحقيقية.
مثال آخر: نعلم الأطفال في وحدة صحتي وسلامتي عن الأكل الصحي وترك السكريات والحلويات، ثم يقوم نفس المعلم أو المعلمة بمكافأة طلابه بالسكاكر، ويخرج الطلاب في الفسحة لمقصف المدرسة المتخم بكل ماهو غير صحي.
ومن التركيز على ماهو حقيقي التقليل من الكم والتركيز على الكيف (الجودة). كثرة المناهج وكثرة محتواها نعلم جميعاً أنه لايرسخ في اذهان الطلاب بعد اختبارهم النهائي. نريد تعليماً يركز على القليل، يركز على تعليم الطفل مهارات وأساليب تبقى معه مدى حياته. تعلمه التفكير والبحث، تستثير فضوله وحماسه. لاتعليماً نعلم أنه لايجاوز مسامعهم. ولنا في قول السلف أسوة حسنة: قال التابعى أبي عبدالرحمن السلمي ( حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيهن من العلم والعمل ، قالوا : فتعلمنا العلم والعمل جميعًا).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *