المخاطر الاستراتيجية

المنظمات والمؤسسات بل حتى الدول تقيم مخاطرها التقليدية لتتجنب اثارها السلبية أو التقليل منها في حال حدوثها. ما الفرق اذاً بين المخاطر الاستراتيجية والمخاطر العادية أو التقليدية؟

المخاطر التقليدية تقع ضمن أطر ممنهجة ومعروفة لدى الجهة المتعرضة للخطر. وغالباً تقع ضمن خانة المخاطر المتكررة التي قد تؤثر على الارباح أو النمو لفترات محدودة أو قصيرة تتبع دورات زمنية معينة. المخاطر الاستراتيجية، على الجانب الآخر، مخاطر مجهولة، غير ممنهجة، لايمكن غالباً استيعابها أو تقديرها ضمن منهجية أو نمذجة واضحة. وفي حالة حصول هذه الأحداث المؤثرة استراتيجياً على المنشأة أو المنظمة، فإنها قد لاتعاني انخفاضاً زمنياً أو وقتياً في أرباحها، بل قد يقضي هذا الخطر عليها بالكامل، بتعريض هذه المنشأة للافلاس، وتسريح كل الموظفين، أو قد يعرض بلد ما لمأساة اجتماعية وانسانية غير قابلة للتصحيح او التراجع عنها.

البنوك والمؤسسات المالية من أكثر من يعير للمخاطر اهتمام لكثرة تعامل البنوك مع شتى انواع العملاء والفرص الاستثمارية. فتستخدم اطر منهجية مبنية على معادلات رياضية خلف برمجيات حاسوبية يستخدمها موظفي البنوك لتقدير مخاطر الاستثمار مبنية أحياناً على تقارير اقتصادية ومالية تنتجها بعض شركات التقييم الائتماني مثل ستاندرد اند بورز. وتستخدم البنوك بعض السياسات لتقليل تعرضها للمخاطر، مثل التأمين على القروض الممنوحة، واستخدام شروط للتمويل مثلاً وجود وظيفة وراتب لطالب التمويل، او الاطلاع على التدفق النقدي للمؤسسات والشركات وأصولها المالية التي يمكن عن طريقها تعويض قرض البنك في حالة العجز عن السداد. تضع الحكومات شروطاً أحياناً على تمويل البنوك حماية لاقتصادتها من توسع القروض الخطرة من ناحية ضعف احتمالية السداد.

مثال اخر بعيد عن المخاطر المالية، يوجد في اليابان معهد أبحاث الوقاية من الكوارث، بجامعة كيوتو، وهو أكبر مركز بحثي في حماية الكوارث في آسيا، استطاع اليابانيون التخطيط الممتاز للتعامل مع مخاطر الزلازل والبراكين وموجات تسونامي ضمن مايقع ضمن اطار المتوقع حسب حصوله تاريخياً. ومايتكرر من هذه الكوارث ضمن هذه النماذج والأطر، غالباً يصاحبه القليل من الأضرار يمكن تجاوزها ضمن دورات زمنية قصيرة. لكن في عام ٢٠١١ حصلت كارثة لم يحسب لها حساب، وقد استمعت في محاضرة عامة للدكتور نوريو أوكادا–وهو رئيس سابق لمعهد أبحاث الوقاية من الكوارث بجامعة كيوتو–وهو يقول بأن ماحصل فاق سوءاً أسوأ ماتوقعنا احتمالية حدوثه (worse than the worst case scenario). أي أن حجم الكارثة أكبر من مماتخيل علماء المعهد أنه محتمل. زلازل عظيمة في البحر فاقت كل توقعات نماذج احتمالات الخطر المؤطرة، وسببت كارثة اثارها لايمكن محوها الى اليوم. تسبب بمقتل مايزيد على خمسة عشر الف شخص، ونزوح اكثر من مئتي الف عن منازلهم، واجبار العديد على الهجرة لمناطق أخرى بشكل دائم. وأجبرت اليابان على اعادة تقييم استخدامها للطاقة النووية بسبب الرعب الذي حصل من التسريب الاشعاعي وكارثة مفاعل فوكوشيما داييتشي.

المخاطر الاستراتيجية لاتجد تقديرها من ضمن المهام اليومية للعاملين أو الباحثين. يقول نسيم طالب في كتابه “The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable” أن المخاطرة نادرة الحدوث وغير المتوقعة هي أكبر مؤثر في التاريخ.

عندما حصلت أزمة الرهن العقاري التي بدأت في أواخر عام ٢٠٠٧ وامتدت لعام ٢٠٠٨. تسببت الكارثة بانهيار اقتصادي في الولايات المتحدة نتجت عنه خسارة خمسة تريليون دولار من صناديق التقاعد والادخار، ومن قيمة السوق العقارية، وفقد ثمانية ملايين وظائفهم، و فقد ستة ملايين بيوتهم التي عجزوا عن سداد قروضها، تخيل هذا فقط في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي فشلت فيه الجهات التشريعية والمؤسسات الأمريكية المالية كما اعترف الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرين سبان، في حديثه للجنة الكونجرس، عن في التنبؤ ورؤية الكارثة قبل وقوعها. بل حتى البنوك الأمريكية الضخمة بخبراءها الماليين فشلت في استشراف حصول الكارثة. طبعاً هناك من تنبأ واستشرف حدوث الكارثة بأعوام (انظر كتاب The Big Short: Inside the Doomsday Machine) لكن لم يستمع لهم الاعلاميين ولم تعر البنوك ولا مؤسسات التصنيف المالي أي اهتمام لتحذيراتهم كونها مخاطر (لم تحدث مسبقاً في التاريخ). يحكي كتاب The Big Short قصة عدة اشخاص استشرفوا حصول أزمة الرهن العقاري مبكراً، وبطرق مختلفة. أحدهم تنبأ بالخطر عن طريق قراءة تحليلية للأرقام التفصيلية للديون والاجراءات المتعلقة بالحصول عليها، التي غالباً لايقرأها أحد بهذا التفصيل. آخرين تنبهوا لذلك عندما لاحظوا تراخي البنوك في اجراءاتها للاقراض وتوسعها في الاقراض الخطر لتحقيق الأرباح السريعة. ومن القلة الذين استشرفوا الكارثة المالية استفادوا كثيراً وربحوا بلايين الدولارات من خسارة الاقتصاد الامريكي.

لاشك أن حدوث المخاطر الاستراتيجية ليس متعلقاً فقط بحوادث أو كوارث طبيعية لادخل للانسان بها. بل كثيراً ماتكون نتيجة سوء إدارة للمؤسسة أو المنظمة سواء كانت مالية، صناعية، أو غيرها. وتأثير هذه المخاطر ليس بمعزل في مجال واحد، فقد يمتد الخطر الاقتصادي الى تأثيرات اجتماعية غير قابلة للتصحيح. لاسيما نقص الغذاء وانتشار الأوبئة وفقدان الطاقة وانهيار البنية التحتية. الطبيعة المترابطة للتأثيرات السلبية والإيجابية تعني أن أي تحرك أو عدم تحرك من أحد اللاعبين قد تكون له عواقب ليست بالضرورة ضمن الاطر المعروفة والتقليدية للخطر.

التعرض للمخاطر الاستراتيجية، بعضه يمكن حسابه وتقديره كما حصل في أزمة الرهن العقاري، لكن المؤكد أن لايوجد نموذج رياضي معين لتقديره. يسخر نسيم طالب في كتابه “Antifragile: Things That Gain from Disorder” من البنوك والمؤسسات المالية التي دفعت له وطلبت منه وضع اطار ونموذج رياضي تقليدي محدد لقياس المخاطر غير التقليدية بعد شهرة كتابه السابق “The Black Swan” الذي كان جله حول عدم امكانية نمذجة وقياس المخاطر الاستراتيجية غير التقليدية بالطرق التقليدية. فقد طلبوا منه طريقة تقليدية لقياس المخاطر التي شرحها بكونها غير تقليدية وغير قابلة للنمذجة ضمن الأطر المعروفة.

يتطلب التعامل مع المخاطر الاستراتيجية كثيراً من الحكمة والرؤية المستشرفة وقوة الملاحظة للأخطاء الكارثية والعصامية العلمية التي لاتعتمد بالضرورة على السائد بل التفرد الذي يوافق المألوف ويخالفه بنظرة متجردة عن هالة العظمة وبعقلية متشككة في كل ماهو ظني ومحتمل رفعه الزمن والتكرار الى خانة الحتمي، ونظرة منطقية ترى التفاصيل الصغيرة وتأثيراتها ضمن الصورة الكبرى المترابطة للعوامل المؤثرة والمتغيرة. وكلما زاد تصديقنا واعتقادنا بثبات الواقع كلما كان وقع تغيراته أشد وآلم.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *