تحليل الصراعات الاستراتيجية والمفاوضات

يقول رابوبورت (Rapoport, 1974) أن الصراعات تأخد واحداً من ثلاثة أشكال: قتال، أو مباراة، أو مناظرة (Fights, Games, or Debates). القتال يمثل حالة الصراع التي يهدف فيها كل خصم الى الاضرار بخصمه كإصابته لإعاقته أو قتله. والمباراة او التباري أو اللعبة هي الحالة التي لايكون في الصراع عنف جسدي لكن يهدف فيها الخصوم الانتصار على بعضهم، بمال، جائزة، نفوذ، وما الى ذلك دون العنف الجسدي. والتناظر، أو المناظرات، هي الحالة التي يهدف فيها الخصوم بالاقناع بوجهة نظرهم وطرح الآراء المختلفة. بعض الصراعات (ومنها المفاوضات) قد تأخد عدة اشكال فقد تبدأ بمناظرة ثم مبارزة ثم قتال.

وقال آموس (Amos) في عام ١٨٨٠ أنه بتقدم الحضارة المدنية، فإن الصراعات البشرية ستتوجه لتكون من نوع المباريات (ألعاب) (Games) ومناظرات (Debates) ويقل فيها القتال (Fights).

اليوم بعد أكثر من ١٠٠ عام على نبوءة آموس، يقول بايبر (Pieper, 2008) أنه بالرغم من أنه القتال لم يتوقف في العصر الحالي، إلا أن القتال اصبح يميل الى الاستراتيجية أكثر من كونه جسدي. وبذلك يصبح القتال ليس مجرد عنف جسدي بل لعبة ذات عمق استراتيجي.

ماهو الصراع أو النزاع
الصراعات التي تهمنا في هذا المقال، هي الصراعات الاستراتيجية، التي سيتم تعريفها والمرور ببعض وسائل تحليلها. وهذا يستثني صراعات العلاقات الانسانية كعدم توافق فرق العمل واختلافات الموظفين، أو الخلافات الأسرية. ونستثني أيضاً الصراعات أحادية الجانب، مثل صراع الانسان بين الخير والشر، أو صراعه مع نفسه وأفكاره وماوراء ذلك.

الصراع (Conflict) ظاهرة معقدة وتعتبر من أصعب أنواع صناعة القرارات (Jeong et al., 2008). صناعة القرار يدرس في الجامعات من عدة جوانب، اخص منها المبنية على نظريات رياضية وهندسية. ومن ذلك مايهدف للوصول للحل الأمثل (Optimization) ومن المواد الشائعة في الإدارة والاقتصاد، وفي الهندسة وعلوم الادارة، مايسمى ببحوث العمليات (Operations Research) وهو علم باختصار يستخدم طرق تحليلية متقدمة لتحسين عملية اتخاذ القرارات.

تعتبر الصراعات من اصعب حالات الدراسة في اتخاذ القرارات لتعدد اهداف القرار وتعدد اصحاب القرار. صناعة القرار لفرد أو جهة واحدة لها هدف أو عدة أهداف، اسهل من تحليل وصناعة القرار في حالة وجود أهداف متناقضة من عدة خصوم لا يجمعهم بالضرورة اهداف مشتركة.

الصراع هو تناقض، التناقض قد يكون كاملاً بين اهداف طرفي الصراع وقد يكون جزئي. تحقيق الهدف في الصراع ليس بالضرورة حدي، بمعنى، ليست النتيجة ثنائية بالضرورة إما تحقيق الهدف وإما لا، بل تحقيق الهدف قد يكون جزئي والدافع للاستمرار في محاولة الوصول للهدف متغير حسب القرب والبعد من الهدف. وبناءً عليه هناك درجات أو مستويات للوصول للهدف وبهذا يمكن أن يحصل تقاسم بين المتخاصمين في الصراع. حيث يحقق كل منهم جزء من مراده ويقبل التنازل عن جزء اخر في سبيل انهاء الصراع.

الخصوم في الصراع قد يكونوا افراد، أو شركات، منظمات، حكومات .. الخ. أو مجموعات من واحد او اكثر من الانواع السابق ذكرها. الصراع الاستراتيجي، هو حالة الصراع بين طرفين أو أكثر لكل واحد منهم القدرة على اتخاذ قرار واحد على الاقل.

طرق التمثيل الرياضي

في الرياضيات التطبيقية، يندرج التمثيل الرياضي للصراعات تحت نظرية الألعاب أو المباريات (Game Theory) وتحديداً تحت فرع نظريات الألعاب غير التعاونية (Non-Cooperative Game Theory). التمثيل الرياضي أو النموذج الرياضي (Mathematical Model) للصراعات ولأي ظاهرة طبيعية، هو ملخص للظاهرة يهتم بالعناصر الرئيسية للنزاع وتفاعلات هذه العناصر وديناميكيتها وصولاً للحل أو الحلول الممكنة. هناك عدد من النماذج الرياضية لمحاكات حالات الصراع والتفاوض والمنافسة، ولها تطبيقات اقتصادية وتجارية وسياسية واجتماعية. لكل نموذج مميزات وعيوب وبعضها يتفوق في حالات دون أخرى.

باستخدام النظرية الكلاسيكية للالعاب (Classical Game Theory) يمكن تمثيل الصراعات عن طريق يسمى (Normal form) وهو عبارة عن مصفوفة صغيرة تمثل الأعمدة فيها استراتيجية طرف والصفوف الطرف الآخر. كل خانة مقابلة في المصفوفة تعبر عن قيمة المنفعة لكل طرف حسب استراتيجيات العمود والصف المقابلة.

الطريقة الثانية يمكن تعريبها باسم “النموذج الموسع” أو “النطاق العريض” وهو معروفة علمياً باسم (Extensive form) وتشبه بالرسم الشجري حيث يتفرع من كل قرار كل ردود الفعل الممكنة للخصوم حتى الوصول لاصغر قرار ممكن. هذه الطريقتين تم تقديمها وتعريفها رياضياً بواسطة عالم الرياضيات ڤون نيومان وعالم الاقتصاد مورجنستيرن (Von Neumann and Morgenstern, 1944) في كتابهم الشهير الذي وضعوا فيه أصول نظريات الألعاب باسم نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior).

وهناك نموذج القرار (Option form) الذي اقترحه هوارد (Howard, 1971) في كتابه معضلات (أو مفارقات) العقلانية: الألعاب والألعاب “التتابعية” والسلوك السياسي (Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior) وهو يتيح مميزات منها العرض الكامل للصراع في جدول صغير مقارنة بالنموذج الموسع، بالإضافة لعدم اعتماده بالضرورة على قيمة المنفعة (Utility Value). وهوارد عمل مستشاراً عسكرياً واقتصادياً ومستشاراً لصراعات في قضايا بيئية. وله نظريات اخرى لاحقة للتعامل مع الصراعات أهمها نظرية الدراما (Drama Theory) المختصة بتحليل المواجهات (Confrontation Analysis).

وهناك نوع أخير لتمثيل الصراعات، وهوأكثرها مرونة لتمثيل حالات مختلفة وعامة للصراعات، مايسمى بالنموذج الرسومي لحل الصراعات (The Graph Model for Conflict Resolution). بالرغم من أن بعض الأبحاث التي اقترحت فكرة النموذج الرسومي صدرت في الثمانينات الميلادية إلا أن أول كتاب صدر عام ١٩٩٣ بواسطة فانج وهايبل وكيلجور (Fang, Hipel, and Kilgour, 1993)، في كتاب اسمه صناعة القرارات التفاعلية: النموذج الرسومي لحل الصراعات (Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution).

فانج يعمل الآن أستاذاً للهندسة الصناعية بجامعة رايرسون (Ryerson University)، وهايبل أستاذاً في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو (University of Waterloo)، وكيلجور أستاذاً للرياضيات التطبيقية في جامعة ويلفرد لورييه (Wilfrid Laurier University). وجميها جامعات كندية تقع في مدن متقاربة. ومازالوا يعملون سوياً ضمن مجموعة بحثية في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو. يتميز النموذج الرسومي لحل النزاعات بأن يقدم الصراع على طريقة تحاكي لعبة الشطرنج. تشاهد في الرسمة تحرك اللاعب والتحرك المضاد. ويتميز بالمرونة في تمثيل أنواع مختلفة من التحركات تمثل قرارات استراتيجية مختلفة.

تحليل الصراعات
هناك عدة انواع لتحليل النزاعات، إما للوصول لحل للنزاع أو لاتخاذ قرارات سليمة اثناء حدوث الصراع. تعتمد طرق التحليل على طرق التمثيل الرياضي والرسومي المذكورة اعلاه. فلكل نوع طرق معينة للتحليل تتشابه وتشترك في المعنى بشكل كبير، وان كانت احياناً تختلف في تعريفها الرياضي. بعضها بسيط وسهل شرحه والاخر قد يكون معقداً الى حد ما.

احدى طرق التحليل أن تبحث عن ما اذا كانت هناك استراتيجية مهيمنة (Dominant) تمنح اللاعب أو متخذ القرار وضعاً أفضل مقارنةً بجميع استراتيجياته الأخرى. وهناك طرق أخرى تعتمد اكثرها على رؤية عدة خطوات في المستقبل. مثلاً، يحدد متخذ القرار النقطة المستقبلية التي يريد أن يصل اليها، ثم يعود للخلف ليرى ماهو الطريق الذي يقوده لها (Look forward and reason backward). وهناك الحل الشهير لجون ناش (John Nash) المعروف باسمه اتزان ناش (Nash Equilibrium) والذي يقول أن متخذ القرار مستقر في موقعه اذا لم يوجد له خيار أفضل.

مفهوم الاستقرار أو (Stability) في تحليل الصراعات هو قلب عملية التحليل والنمذجة الرياضية. هو النتيجة التي يبحث عن دارس الصراعات. يتم البحث والتحليل عن نقاط الاستقرار لكل متخذ قرار على حدة. ثم البحث عن النقاط التي يكون فيها جميع اللاعبين مستقرين وتسمى نقاط اتزان (Equilibrium Points) وهي تمثل حلول ممكنة للنزاعات. ليست بالضرورة أن تكون نقاط الاتزان مرضية لجميع الأطراف لكنها حسب ديناميكية الصراع تعتبر نقاط جامدة لايستطيع الخصوم التحرك منها.

خاتمة
المعلومات المذكور هنا تعطي فكرة مبسطة عن تحليل ونمذجة الصراعات ولاتعرض بالضرورة كل الانواع الموجودة. والاهتمام هنا محصور في الجانب الاستراتيجي دون جانب العلاقات الانسانية الذي يختلف مجاله عن التحليل الرياضي. ينقص هذا المقال أمثلة توضيحية للمفاهيم المذكورة. ربما اكتب تدوينات قادمة تكون كل واحدة مخصصة لمثال واحد حيث أن كتاب المثال الواحد طويلة وتتطلب فهم لخلفية النزاع سواءً كان منافسة تجارية، أو صناعية في قطاعات مثل الطاقة، أو بيئية. حيث أن الأمثلة المنشورة تطبيقتها في أوراق علمية كثيرة لاحصر لها.

المصادر مرتبة حسب ورودها في التدوينة

Rapoport, A. (1974). Fights, Games, and Debates. A publication from the Center for Research on Conflict Resolution, The University of Michigan. University of Michigan Press.

Amos, S. (1880). Political and Legal Remedies for War. Harper & Brothers, Franklin Square, New York.

Pieper, C. (2008). Decision theory and game theory. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict (Second Edition), pages 546 – 557. Academic Press, Oxford, second edition edition.

Jeong, H.-W., Lerche, C., and Susnjic, S. (2008). Conflict Management and Resolution. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict, pages 379 – 390. Academic Press, Oxford, second edition.

Von Neumann, J. and Morgenstern, O. (1944). Theory of Games and Economic Behaviour (Commemorative Edition). Princeton University Press.

Howard, N. (1971). Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior. MIT Press, Cambridge, Massachusetts.

Fang, L., Hipel, K. W., and Kilgour, D. M. (1993). Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution. Wiley, New York.

2 thoughts on “تحليل الصراعات الاستراتيجية والمفاوضات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *