قطاعات السعودة الاستراتيجية

مع التحديات الاقتصادية الأخيرة التي صاحبها انخفاض الانفاق العام بسبب انخفاض المدخول النفطي، وقيام بعض الشركات بتسريح أعداد كبيرة من موظفيها لاسيما السعوديين حاولت وزارة العمل رفع نسبة التوطين ووقامت مثلاً بسعودة محلات الاتصالات. وتبذل الوزارة ومراقبيها مجهوداً كبيراً للتأكد من التزام المحلات بتطبيق نسبة السعودة الكاملة للقطاع.

السعودة اليوم تتطلب موقفاً ذا بعد استراتيجي يقدر ردود الفعل في الاقتصاد والمجتمع. القرار الاستراتيجي، كما تم شرحه في نظرية الألعاب، ونمذجة تحليل الصراعات، يهتم بدراسة القرار من الناحية التفاعلية. والمقصود به هنا ردود فعل الباحثين عن العمل مع قرارات  السعودة وتفاعل التجار والمستثمرين وتأثر الاقتصاد الكلي والجزئي بهذه القرارات، بل وأهمية قرار السعودة على تنمية الاقتصاد لتحقيق النمو والتحول الاقتصادي الذي نحتاجة لمواجهة تحديات المستقبل.

وبالنظر الى قدرة الشركات والاقتصاد على تحمل التكاليف الناشئة من قرارات السعودية، وتأثير ذلك على التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أولى الشركات والقطاعات بالسعودة هي:

  • الشركات الحكومية وشبه الحكومية (ملكية الدولة تفوق ٥٠٪)
  • قطاعات احتكارية محمية من المنافسة (البنوك، التأمين، الاتصالات …) غير مسموح بالمنافسين من الخارج والداخل دون تصاريح.
  • القطاعات التي تستفيد من الدعم والتمويل الحكومي (الألبان والزراعة الطاقة …)
  • القطاعات التي تعتمد على استغلال ثروات الأرض (البترول، البتروكيماويات، التعدين، الاسمنت …)

هذه القطاعات تتميز ببعض أو كل هذا الصفات:

  • قطاعات ذات ارباح عالية، أو القطاعات التي تكلفتها التشغيلية ليست في العامل البشري
  • قطاعات تستطيع دفع رواتب مجزية وتدريب العاملين السعوديين
  • قطاعات ذات أهمية لنمو البلد.
  • قطاعات للمواطن حق المشاركة فيها.

لو يصدر غداً قرار سعودتها بالكامل، فإن هذه القطاعات تستطيع المواكبة ولا يتسبب ذلك في خروجها من السوق او افلاسها، بل سعودتها ميزة استقرار واستدامة مستقبلية لها.

تخيل لو لم تحصل سعودة للمهن في شركة أرامكو السعودية؟ لكان قرار الانتاج لليوم بيد الشركة الأمريكية. الميزة الاستراتيجية لسعودة شركات بهذه الأهمية نقل المعرفة وتوطين التقنية بأيدي سعودية قادرة على النمو والتوسع بخبرة واحترافية عالية. هذه الشركات اليوم هي أهم قطاعات السعودة الكاملة (١٠٠٪).

الحكومة السعودية ممثلة بصناديق استثماراتها، وصندوقي التقاعد والتأمينات الاجتماعية، لها استثمارات ضخمة تزيد عن نصف الملكية لعدد من الشركات الكبرى في سوق الاسهم السعودية. ومن هذا المنطلق فإن هذه القطاعات هي ملك للوطن وللمواطن أولوية قصوى على غيره في سعودة جميع الوظائف في الشركات التي تملكها الدولة أو تملك حصة سوقية تتجاوز نصف اسهمها. وهذه الشركات هي التي تستطيع تحمل توطين التقنيات وتدريب السعوديين خريجي الجامعات الجدد الذين هم بأمس الحاجة للتدريب والتطوير.

ومن قطاعات السعودة الاستراتيجية، القطاعات الاحتكارية المحمية من الدولة بتقنين المنافسة الخارجية والداخلية أحياناً، مثلاً تتميز البنوك السعودية  بأرباح عالية في جو تنافسي منظم لايستطيع فيه بنك أن يقضي على اخر وهذا الحماية للقطاع ضمنت له الارباح العالية. فمن واجب هذه القطاعات ومنها قطاعي الاتصالات والتأمين، الالتزام بالسعودة الكاملة لوظائفها دون تردد. وهيئة الاتصالات تنظم المنافسة بين شركات الاتصلات وتحفظ نموها بفرض شروط زمنية وتدريجية للتصاريح الجديدة، من واجب هيئة الاتصالات أيضاً اجبار القطاع بسعودة جميع وظائفه بالكامل، هذه الشركات الكبرى هي التي تستطيع تحمل السعودة وليس دكاكين اصلاح الجوالات.

وتدعم الدولة وتمول الكثير من التجار لاقامة المشاريع الصناعية الكبرى ومن تلك المشاريع التي يمولها صندوق التنمية الصناعي وقد اقرضت الدولة قطاعات صناعية مختلفة. بلغ الحجم التراكمي لقروض قطاع الصناعات الكيميائية ٤٣ مليار ريال  على سبيل المثال، وأما قطاع الاسمنت ذي الربحية العالية والحماية الحكومية فقد بلغ حجم قروضه التراكمية أكثر من ١١٫٥ مليار ريال.

هذه القطاعات مثل البتروكمياويات، البترول، التعدين، والاسمنت، لاتكتفي بالتمويل الحكومي بل تستغل ثروات الأرض غير المتجددة، أفلا يحق لنا سعودتها بالكامل؟ ألا يجدر بهذه القطاعات التي تستهلك ثروة الأرض أن تستثمر في الانسان الذي يعيش عليها وتساهم في تنميته وتطويره وتتحمل تكاليف تدريبه؟

على رؤساء الشركات في هذه القطاعات بأن يقوموا بجزء من واجبهم تجاه الأرض التي أعطتهم من ثرواتها والحكومة التي مولتهم ودعمتهم وحمتهم من المنافسة، أن يقوموا بالحد الأدني من واجبهم بسعودة كامل وظائفهم برواتب مجزية وأن يساهموا في تنمية المواطن وتدريبه ليكون عونا على مواجهة تحديات المستقبل وعنصراً منتجاً لنفسه وأسرته وبلده. وإنه من المخجل أن يبحث صاحب قرار عن مبررات واهية ومخارج لا أخلاقية هروباً من توطين الوظائف وهو واجبهم الذي ليس لهم فيه منة، بل المنة عليهم في المورد الطبيعي والتمويل الحكومية والحماية التنطيمية. وأقول لمن يقاوم نسب السعودة البسيطة المفروضة عليهم اليوم، عليكم بمسابقة الزمن بسعودة كامل وظائفكم قبل أن تفرض عليكم. يجب على مجالس الإدارات استيعاب التغييرات القادمة وتقديم الدعم والتوجيه لشركاتهم بالسعودة الكاملة ودعم ميزانيات الرواتب والتدريب لاستدامة شركاته وتقليل المخاطر المستقبلية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *