نظريات اللعب (Game Theory)

توفي جون ناش (John Nash) يوم السبت ٢٣/مايو/ ٢٠١٥، وهو عالم رياضيات معروف بمساهماته في نظريات اللعب حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٤ بالشراكة مع سلتن وهارساني (Reinhard Selten and John Harsanyi) اللذين أيضاً لهما مساهمات في نظريات اللعب. ومن اللطيف ذكره انه في نفس العام ١٩٩٤ فاز ياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين بنوبل للسلام.

يظن البعض أن جون ناش هو واضع لأصول نظرية الألعاب أو اللعبة Game Theory. الحقيقة أن لناش تطوير كبير في نظريات اللعب وإيجاد حلول رياضية لها. بينما أول تمثيل رياضي للنظرية صدر في كتاب عنوانه نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior) والذي صدر عام ١٩٤٤ لعالم الرياضيات جون ڤون نيومان (John von Neumann) وعالم الإقتصاد أوسكار مورجنستيرن (Oskar Morgenstern).

قبل الحديث عن ماهية نظرية الألعاب أو اللعبة أو نظريات اللعب أو المباريات (Game Theory), احتياري في الترجمة العربية نابع من عدة أمور. هذا العلم مكتوب في الأساس باللغة الإنجليزية بالصيغة (Game Theory) والتي قد توحي بوجود نظرية واحدة عامة. الحقيقة أنه هناك عدد من النظريات تتحدث عن الموضوع.

ماهي الألعاب المقصودة؟ ربما نسمع أحياناً في مقر العمل من الزملاء أو الأصدقاء “فلان لعبها صح” يشيرون بذلك لشخص عمل لصالح نفسه بشكل استراتيجي ولم تظهر النتيجة مبكراً في خطوة واحدة بل في عدة خطوات حتى وصل لما يريد. أحياناً نقولها عن شركة أو دولة.

نظرية الألعاب هي مجموعة نماذج رياضية لتمثيل القرارات التفاعلية. ماهي القرارات التفاعلية؟ ولماذا سميت بالألعاب؟

اتخاذ وصناعة القرار أنواع عدة، تختلف باختلاف عدد الاهداف وعدد المشاركين في صنع القرار. تخيل الألعاب الاستراتيجية، مثل لعبة الشطرنج أو الكيرم أو البلوت. هناك عدة لاعبين (اثنين على الأقل) القرار أو الاستراتيجية التي يتخذها كل شخص تتأثر باستراتيجيات خصومه. اللاعب الماهر هو الذي يستطيع أن يستشرف عدة خطوات مستقبيلة في اللعبة. فتجد لاعب البلوت الماهر يتوقع استراتيجيات خصمه مبكراً ويطورها بعد كل جولة. أصحاب نظرية الألعاب استوحوا النظرية من الألعاب الاستراتيجية التي يكون لها أحياناً عامل الحظ مثل رمي النرد في المونوبولي أو قوة الورق بيد لاعب البلوت. وأحيانا لاتعتمد على الحظ أو العشوائية بل على الاستراتيجيات وحدها.

مثل أصحاب نظرية اللعبة بشكل رياضي حالات اتخاذ القرارات التي لها اثنين أو اكثر من اللاعبين أو متخذي القرار. لذلك للنظرية تطبيقات كثيرة في الاقتصاد والسياسة والمنافسة والمفاوضات والصراعات ومجالات الصناعة والطاقة والخدمات، بل لها تطبيقات غير محدودة تستخدم حتى في فهم بعض السلوكيات الاجتماعية.

النموذج الرياضي للنظرية بالطبع لا يمثل كل الواقع كما هو، إنما حاله كحال كل النماذج الرياضية، يهتم بتمثيل العناصر الرئيسية التي نظن أنها مؤثرة في الظاهرة، وأهم عناصر الألعاب هي متخذي القرارات (اللاعبين Players) خياراتهم(Options or Strategies)، ورغباتهم أو تفضيلاتهم (Utility Values or Preferences).

جون ناش، كان من ابداعه أنه اقترح طرق لتحديد الاستراتيجيات المتوقعة للاعبين بناءً على العقلانية (Rationality) وإيجاد نقاط اتزان أو حل للعبة (Equilibrium Points). من عجائب إنجازاته أنه قام بها بالرغم من مرضه العقلي حيث أنه كان مصاب بانفصام في الشخصية، وهي حكاية مروية في فلم مستوحى من حياته اسمه عقل جميل (A Beautiful Mind). جون ناش قبل وفاته كان ربما أعظم المنظرين في نظرية اللعب، وله انجازات علمية مختلفة حتى خارج مجال نظرية الألعاب.

كثير من القرارات اليوم ليست بالضرورة مبينية على حلول مثالية لرغبة فردية، إنما القرارات التفاعلية حاصلة شئنا أم أبينا. مثلاً، انظر إلى أسعار تذاكر شركات الطيران العالمية. هل السعر ثابت يمثل التكلفة مع هامش الربح؟ بالطبع لا، السعر يتغير أخذاً بعين الاعتبار حالة السوق وسلوك المنافسين. القرارات اليومية للشركات الكبيرة التي تبيع البضائع الاستهلاكية، عروضها الترويجية، السياسات التسعيرية، التعامل مع منافس جديد، هل يتم تخفيض السعر بخسارة لإخراج منافس جديد من السوق مثلاً؟

السياسات الحكومية، الاقتصادية والسياسة الخارجية. السعودة مثلاً ماهو تأثيرها المتوقع على الاقتصاد، ماهي ردة فعل التجار؟ كيف نرد على ردة فعلهم؟ تصميم السياسات باحترافية يمكن أن يستفيد بشكل كبير من نظريات اللعب.

من الأمثلة التي حصلت قبل فترة، قرار السعودية في إعلان وزير البترول السعودي عدم تخفيض انتاج النفط بالرغم من تهاوي الأسعار. البعض رآها مصيبة، والبعض رآها حكمة. عدم تخفيض الإنتاج يعني استمرار تهاوي الأسعار مما يضر بالمدخول المالي للبلاد. ربما تخفيض الانتاج سيرفع الاسعار على المدى القصير، وربما يهوي بها على المدى الطويل، وسيخفض حصة المملكة من سوق النفط. الحفاظ على مستوى الإنتاج ساهم في تهاوي السعر على المدى القصير، ضغط على المنتجين الجدد عالي التكلفة وربما أخرج بعضهم من السوق، وضغط لخفض الاستثمار في استكشاف مكامن النفط على مستوى العالم، ربما هذه الاستراتيجية لم تؤدي لتعافي الأسعار، لكنها حافظت على الحصة السوقية للملكة في سوق النفط، وربما تساهم الاستراتيجية في تعافي الأسعار على المدى الطويل. يعتمد كله على ردة فعل اللاعبين الآخرين واستراتيجياتهم. مثلاً، عودة ليبيا والعراق لإنتاجهم الطبيعي ستساهم في خفض الأسعار. وكذلك رفع العقوبات الإقتصادية عن إيران، لذلك هناك أهمية متزايدة للحفاظ على حصة السوق. أيهما أفضل الحفاظ على الحصة السوقية أو الحفاظ على السعر؟ لايوجد جواب جاهز لكن استراتيجيات مختلفة يمكن تحقيق بعض من هذا وذك.

فهم نظريات واستراتيجيات اللعب ليست بالضرورة حصر على المتخصصين بل مفيدة لكل إنسان. هناك كتب لغير المختصين لتطوير استراتيجيتهم حتى في التعامل مع الأبناء! قرأت مرة أن الأطفال في بعض الأحيان يفوقوا في الدهاء الاستراتيجي والديهم. تعليم نفسك المهارات الاستراتيجية بفيدك في وظيفتك في بيتك في علاقاتك الاجتماعية، بالرغم من أني لا أظن بأن أصدقاءك وأقرباءك سيكونون سعيدين بانتصارك عليهم في كل مرة.

ذكرت في بداية المقال أن ياسرعرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين حازوا على نوبل للسلام في نفس العام الذي حصل فيه جون ناش على نوبل في الاقتصاد، لو نظرنا اليوم، من منهما كان المفاوض الأدهي استراتيجياً؟

لا شك أن العرب من أحوج الناس لتطوير استراتيجياتهم وسياساتهم لاسيما مع كثرة الصراعات في منطقتنا. هناك العديد من النظريات والنماذج الرياضية المبينية على نظرية اللعب يمكنها المساعدة في الوصول لحلول للصراعات والحروب ورسم استراتيجيات للتدخل الحكيم والعقلاني.

قبل الختام اطرح هنا اسم لكتاب مكتوب باللغة الإنجليزية أظن أنه يقدم شرحاً جيداً ومبسطاً لكثير من المفاهيم الاستراتيجية المستوحاة من نظريات اللعبة، يمكن لأي شخص قراءته.:
Thinking Strategically: The Competitive Edge In Business Politics And Everyday Life
by Avinash K Dixit and Barry J Nalebuff

كيف حل طبيب مشكلة انقطاع الماء في بنوم بنه

هذه قصة حقيقية سمعتها في محاضرة في الجامعة وقمت ببعض البحث للتحقق منها. سيتم ذكر المصادر اخر المقال.
كمبوديا دولة ملكية في جنوب شرق آسيا من دول العالم النامية عاصمتها بنوم بنه، عانت العاصمة كما تعاني الكثير من دول العالم النامية من كثرة انقطاع المياه وسوء جودة مياه الشرب الواصلة من البلديات.
عين رئيس الوزراء طبيب بيطري اسمه إك سون تشان كمسؤل عن سلطة المياه في مدينة بنوم بنه عاصمة كمبوديا. عندما بدأ مهمته حاول استكشاف وضع المياه في المدينة فأسس نظاماً متكاملاً ليعرف بالضبط كميات استهلاك كل زبون، ووصول الماء للمنازل، ومن يدفع ومن لا يدفع، فخرج بمعلومات غريبة. اكتشف ان الفقراء منتظمين في دفع فواتير المياه، والأغنياء لا يدفعونها. اكتشف انه بعض الفقراء يدفع فاتورة المياه حتى لو لم تكن المياه موصله لمنازلهم. لأن الاجراءات الحكومية والبنكية تتطلب من الناس احضار فاتورتين لاثبات السكن: فاتورة المياه وفاتورة الكهرباء. فكان الفقراء يضطرون للدفع حتى لو لم تصلهم المياه.
ومما وجده أن أكبر مستهلكين للمياه في المدينة لم يدفعوا قرشاً واحداً، وهما الجيش والحكومة. ووجد أن شبكة المياه في المدينة متهالكة لدرجة أنه أكثر من ٨٠٪ من المياه يهدر في تسريبات الشبكة قبل وصوله لمنازل الناس. ووجد أن الناس لا يثقون في جودة مياه الصنبور والقادر فيهم يستخدم مياه معبأة للشرب والطبخ.
حاول أولاً أن يجبر الجيش والحكومة على دفع فواتير المياه، فبدأ بالجيش، والجيش في كمبوديا سلطة مطلقة لا يحاسبها أحد ولا يجرؤ على استفزازها إلا منتحر. فأرسل للجيش رسائل تهديد بقطع المياه، لم يرد الجيش على أي منها. ثم أرسل أحد الموظفين ليقطع المياه عن مقر الجيش، وضعوا مسدساً على رأسه وهددوه إن تجرأ على ذلك بالقتل.
فهرب الموظف وعاد إلى مديره، وعلم مديره أن الفشل في هذه الخطوة قد يقضي على كل مشروعه. فذهب لأهله وودعهم وداع من لا يرجوا أن يعود. وقيل أنه رتب ارثه ليوزع في حال وفاته، وصلى ودعا ربه أن ينجيه. ثم ذهب بنفسه ليقطع المياه عن مقر الجيش، وخرج له أحد الجنرالات وهدده بسلاحه إن هو تجرأ على قطع الماء عنهم. مضى في عمله وقطع الماء عن مقر الجيش، ولكنه قبل ذلك دعا وسائل الإعلام إلى الحدث، فكان المراسلون الصحفيون بكاميراتهم يستعدون لالتقاط صور قتله ونشرها على العالم أجمع.
تراجع الجنرال عن قتله، واضطر تحت مراقبة الصحافة أن يتركه يقطع عنهم الماء ويذهب، وفي اليوم التالي قدم الجيش المبلغ المطلوب عليهم لسلطة الماء في المدينة. وعندها استغل رئيس الوزراء الذي عينه الحدث، واعلن للناس أن الجيش والحكومة سيلتزمون من الأن فصاعداً بدفع فواتير الماء. ويشمل ذلك جميع المباني الحكومية من مدارس وادارات ووزارات. والذي لايلتزم بالدفع يقطع عنه الماء.
اليوم عاصمة كمبوديا فيها أفضل نظام لإدارة المياه في العالم، وتم تخصيص سلطة الماء في المدينة التي اصبحت من أوائل شركات سوق الأسهم في كمبوديا، وتم تخفيض الهدر في الشبكة إلى مابين ٥.٥ إلى ٦٪ وهو رقم ريادي حتى بمقارنته بمدن العالم المتقدمة التي في المتوسط تفقد حوالي ٢٣٪ من مياه الشبكة في التسريبات. والأجمل من ذلك هو أن الماء لا ينقطع عن بيوت عاصمة كمبوديا كما يحصل في مدن العالم النامي.
——————————-
يقول الرجل الذي القى المحاضرة في الجامعة أن دول الشرق الأوسط ولا سيما قطر والسعودية والكويت ومصر تفقد الكثير من مياهها في تسريبات الشبكة ويقدر ذلك بحوالي ٦٠٪ من الشبكات القديمة و ٣٠٪ من الشبكات الجديدة. وهذا يشير لسوء جودة مشاريع شبكات المياه.
ويقول أيضاً ان النظام الساري في بعض دول الشرق الأوسط من أن المياه تأتي للبيوت مرة كل عدة أيام ثم يعبئ الناس خزانات بيوتهم ثم يضخوا هذا الماء الى خزانات أخرى علوية مكلف جداً. ولو تمت ادارة صحيحة للمياه فإن المياه المنتجة اليوم في الشرق الأوسط تكفي لإمداد الناس بالماء في بيوتهم ٢٤ ساعة في اليوم دون الحاجة إلى خزانات. وأن ذلك سيوفر على الناس حوالي ٣٥٪ من تكلفة الماء.
ومن اهم ماذكره المحاضر، وهو بروفيسور عالمي نشر أكثر من ٦٠٠ ورقة علمية بحثية وحوالي ٦٤ كتاب، أنه لا يظن أن العالم يعاني من أزمة مياه، بل أزمة وكارثة في إدارة الموارد المائية. وأنه لو أدرنا الموارد المائية في العالم بصورة صحيحة وتقنيات موجودة اليوم، فإنه ستزول المشكلة حتى في الدول قليلة المياه كاليمن ومصر ودول الخليج العربي وشمال أفريقيا.
المصادر:
– محاضرة الدكتور أسيت بسواس في معهد المياه بجامعة ووترلو (رابط المحاضرة). وهنا تعريف بالدكتور أسيت.
City Water for All
– Phnom Penh Water Supply Authority
Interview with Ek Sonn Chan and this
– Ek Sonn Chan pipes something precious into the homes of Phnom Penh: safe water

الطاقة الشمسية فرض كفاية

الشمس

الشمس ، مصدر الصورة sxc.hu بواسطة thomasje

البترول مصدر ناضب، وهو ثروة كانت ومازالت بفضل الله السبب في المدنية التي نعيشها اليوم. لا بأس أن تستخدم بعض هذه الثروة فيما فيه رفاهيتنا ليومنا الحاضر، ولكن علينا أن نستمثر جزء منها لمستقبلنا. من هنا استعرت المصطلح الشرعي فرض الكفاية، الذي اذا قام به مجموعة من الناس ، سقط الاثم عن الباقين، وأنا هنا أقول، اذا قام بعض الناس بمايكفينا من تحديات المستقبل في الماء والطاقة، فقد رفع العذل عن الباقين، وإلا فسيأتي يوم يندم فيه الجميع ويلومون بعضهم.

العالم يواجه تحديات مستقبلية في الطاقة، ونحن في الخليج نواجه تحديات أكبر لعدة أسباب. أولها أنه اليوم النفط هو مصدر الطاقة الوحيد تقريباً في دول الخليج العربي خصوصاً. وهو ليس فقط مصدر الطاقة الوحيد ، بل أيضاً مصدر الرزق ومصدر تحلية المياه.

كثير من دول العالم لا تعاني من هذه الاعتمادية الكاملة. لأنه تنتشر في دول العالم مصادر اخرى للطاقة، ليست النووية فحسب بل حتى طاقة المياه الجارية والشلالات التي تنتج كميات مهولة تعادل انتاج النفط في بعض الأماكن. إحدى الولايات في كندا تعتمد على أقل من ١٠٪ من انتاجها للكهرباء على النفط والباقي كله يعتمد على المياه الجارية وطاقة الرياح ويتم تصدير هذه الطاقة للولايات المجاورة وقريباً إلى الولايات المتحدة الامريكية.

الأمر الآخر هو أن أغلب هذه الدول لاتعتمد اقتصادياتها على النفط أبداً، فنضوبه لايعني توقف الدخل القومي، بل أغلب هذه الدول تستورد النفط منا. لذلك فإن نضوبه لا يشكل تحدياً اقتصادياً مباشراً بل ربما يقل اثره عنا بمراحل، ثم انهم اذا نضب نفطنا فلديهم المال لشراؤه من غيرنا أما نحن اذا نضب نفطنا فإنه لن يتصدق علينا أحد ولا ببرميل فلن يكون هناك كهرباء ولا ماء محلى ولا دخل ولا اقتصاد ولا طعام.

هذه الحالة الدراماتيكية لا اقصد بها التخويف، إنما اقصد بها عرض أهمية الموضوع، ولا اظن بحال أننا سنستيقظ يوماً ما لنسمع ان النفط قد انتهى بين ليلة وضحاها، بل ستكون هناك علامات مبكرة للنضوب قد تستمر عشرات السنين منها مثلاً ضعف الانتاج وقلته ومشاكله وارتفاع تكاليفة كلها علامات استزاف للاحتياطي النفطي التي قد تستمر أعواماً وعقوداً من الزمن لكنها ستصعب من التجهيز لمستقبل كريم كلما تأخرنا في تحركاتنا.

لست هنا في موضع حديث عن مانحتاجه من استثمارات في حاضرنا من اجل مستقبلنا، فلست هنا بمعرض الحديث عن التعليم مثلاً والذي أظنه من أهم الأولويات (وها أنا اتعلم لأنقل فكرة أخرى) بل سينصب حديثي عن الطاقة ومواردها وخيارنا الواجب علينا ان نعمل فيه.

بعد ان اتفقنا اننا بحاجة ماسة إلى تنويع مصادر الطاقة لدينا حتى لا نفقد الحياة التي نعيشها، ولا الماء الذي نشربه، ولا التكييف الذي لا نستطيع أن نستغني عنه عندما تكون درجة الحرارة تقارب الخمسين، وحتى لا نضطر ان نتنقل بين مدننا مشياً أو ركوباً على دابة ، وبعد هذا كله فنحن يجب علينا أن نبدأ العمل لجلب الطاقة الشمسية لتعوض عن بعض استخدامنا الحالي من الكهرباء.

لماذا الطاقة الشمسية؟ وهل هي مجدية أو كافية؟ هل يمكننا فعلاً تعويض النفط؟

خلايا ضوئية شمسية

خلايا ضوئية شمسية، المصدر sxc.hu بواسطة cedec

عندما اتحدث عن الطاقة الشمسية عادة ما يتبادر الى ذهن اغلب الناس الخلايا الضوئية الشمسية (Photovoltaic) (انظر الصورة في الاعلى)، ومشكلتي تبدأ من هنا، فطاقة الشمس الضوئية في نظري غير مجدية للانتاج التجاري للطاقة، ربما تصلح لتشغيل الة حاسبة او (شوية) لمبات ولكنها في نظري بتقنياتها الحاضرة لا تصلح لانتاج كميات كبيرة (يمكنها انتاج كميات كبيرة لكن ستكون مكلفة جداً وتحتاج إلى مساحة كبيرة جداً). وإنه يحزنني بشدة عندما أقرأ عن المشاريع التي تحاول انتاج الطاقة من الخلايا الضوئية بكميات تجارية لأني اشعر بأنها خطوة رائعة في الاتجاه الخاطئ.

عموماً ليس غريباً أن لايعرف الغالبية عن الطاقة الشمسية الا طاقتها الضوئية، فقد سألت مرة أحد أفضل اساتذتي في الهندسة عن استخدام طاقة حرارة الشمس بدل ضوءها، فقال لي بأن هناك تجارب غير ناجحة. الشق الأول من كلامه كان صحيحاً، هناك تجارب قديمة ولكنها كانت ناجحة تماماً. وهي مستخدمة منذ حوالي ٢٠ عام في الانتاج التجاري للكهرباء، وهناك محطات انتاج كهرباء تعمل بحرارة الشمس (Solar Thermal) في كالفورنيا (انظر الصور في الاسفل) واسبانيا والصين واسرائيل رائدة في هذا المجال وهناك محطة قرأت عنها قيد الانشاء في الامارات العربية المتحدة. والمحطات المعتمدة على حرارة الشمس بعضها يمكنه تحلية المياه المالحة.

طاقة شمسية حرارية Solar Thermal Station مصدر الصورة http://www.msnbc.msn.com/id/34793107/ns/us_news-environment/t/china-taps-us-solar-thermal-power-plants/#.T0Nj6FH7D3Q بواسطة eSolar

الطاقة التي تصل من الشمس في المتر المربع الواحد هي طاقة هائلة جداً، وهناك مشاريع اوروبية لاستغلال الشمس على الصحراء الكبرى في افريقيا لانتاج الكهرباء ونقلها إلى أوروبا. لتبسيط فكرة الطاقة الحرارية للشمس ، هل يذكر بعضكم كيف لو وضع المكبر ليمر عبر ضوء الشمس فإنه يمكنه اشعال ورقة او حرق جلد الحقيبة المدرسية؟ بنفس هذه المبدأ تستخدم اليوم الطاقة الحرارية للشمس عبر استخدام عدد كبير جداً من المرايات وتركيزها عل نقطة واحدة ويستخدم محرك هذه الطاقة الحرارية المركزة ويحولها إلى طاقة حركية ثم إلى كهرباء. انظر الى صورة الفرن الشمسي وهو قادر على توليد حرارة تصل إلى ٣٨٠٠ درجة مئوية.

الفرن الشمسي في فرنسا ويمكنه رفع درجة الحرارة إلى ٣٨٠٠ درجة مئوية. مصدر الصورة http://en.wikipedia.org/wiki/Solar_thermal_energy

بعد تعريف المقصود بالطاقة الشمسية التي نريد أن ننتجها بكميات تجارية، ننتقل عن الحديث عن لماذا الطاقة الشمسية وليس غيرها؟

نحن في نطاقنا الجغرافي لا توجد شلالات أو مياه جارية بتدفق كبير لانتاج تجاري للطاقة، واطلعت على متوسط سرعات الرياح على مدن المملكة المختلفة، ويمكننا انتاج طاقة من الرياح ولكن بمقارنات حسابية نجد انه الطاقة الشمسية أكثر جدوى لنا بمراحل. حيث أن سرعات الرياح في نطاقنا الجغرافي لا تبدو مغرية لإنتاج الكهرباء بكميات تجارية. هناك أيضاً الطاقة النووية التي ربما لابأس بالقليل منها، وهناك الطاقة الحرارية في باطن الأرض، وهذه أيضاً جديرة بالدراسة. وربما نحتاج للتنويع بأكثر من مصدر من باب تقليل المخاطر. للاستزادة حول الحلول المثلى للطاقة البديلة يمكنكم مراجعة مشروع RETScreen ومتوفر بالعربية وهو مشروع كندي يوفر ادوات برمجية لتققيم الحلول للطاقة البديلة ويمكن تحميل أداة على إكسل لتحميل بيانات الطقس ويحوي قاعدة بيانات غنية جداً تشمل العديد من مدن العالم العربي وبقية العالم.

هل الطاقة الحرارية للشمس مجدية وتكفي حاجتنا؟

طرح الطاقة الشمسية كبديل للطاقة لا يعني أبداً ان نتخلص من محطات التوليد الكهربائي التي تعتمد على الديزل. بل فليبقى كل شئ على ماهو عليه. إنما المطلب هو استغلال الطاقة الشمسية في المحطات الجديدة التي نحن بحاجة لها دوماً. فبدلاً من أن تكون جميعها تعتمد على الديزل أو الغاز، لماذا لا تكون هناك محطة او اثتنان تذهب للطاقة الشمسية؟ انتقالنا التدريجي للطاقة الشمسية سيزيد من خبراتنا في انشاءها وتشغيلها وصيانتها وبذلك ستقلل من تكلفتها المستقبلية وستوفر من استهلاكنا المتزايد للنفط فنبيع هذا التوفير لنحافظ على مستوى دخل النفط. استمرارنا على الاستهلاك الشره للطاقة سيقلل من حصة الصادرات. لا يمكن أن يكون التحول للطاقة الشمسية بين ليلة وضحاها ولكن يمكننا التمهيد للمستقبل.

تكلفة انشاء محطات كهرباء تعمل بالطاقة الحرارية للشمس تتخطى بكثير كلفة انشاء محطات وقود الديزل والغاز، ولكن لو نظرنا لتكلفة التشغل على مدى العمر الافتراضي للمحطات نجد ان محطات الطاقة الحرارية الشمسية اقل تكلفة لو اخذنا بعين الاعتبار سعر السوق للوقود. بالاضافة إلى ميزات أخرى للطاقة الحرارية الشمسية فهي نظيفة للبيئة وصحة الانسان المتأثرة كثيراً بتلوث الهواء. حالياً تقوم شركة الكهرباء بطرح مشاريع المحطات الجديدة على المستثمرين بنظام بناء وتشغيل ثم تملك للمحطة، لو تشترط شركة الكهرباء او تطرح مشاريع استمثارية تكون قيمة الكهرباء فيها أغلى تتحملها الدولة سينشئ صناعة جديدة وخبرات جديدة نحن في أمس الحاجة لها. هناك فرصة اليوم لنصدر الشمس يوماً بعد أن نحمي مستقبل الطاقة والماء في بلدنا والعالم.