تحليل الصراعات الاستراتيجية والمفاوضات

يقول رابوبورت (Rapoport, 1974) أن الصراعات تأخد واحداً من ثلاثة أشكال: قتال، أو مباراة، أو مناظرة (Fights, Games, or Debates). القتال يمثل حالة الصراع التي يهدف فيها كل خصم الى الاضرار بخصمه كإصابته لإعاقته أو قتله. والمباراة او التباري أو اللعبة هي الحالة التي لايكون في الصراع عنف جسدي لكن يهدف فيها الخصوم الانتصار على بعضهم، بمال، جائزة، نفوذ، وما الى ذلك دون العنف الجسدي. والتناظر، أو المناظرات، هي الحالة التي يهدف فيها الخصوم بالاقناع بوجهة نظرهم وطرح الآراء المختلفة. بعض الصراعات (ومنها المفاوضات) قد تأخد عدة اشكال فقد تبدأ بمناظرة ثم مبارزة ثم قتال.

وقال آموس (Amos) في عام ١٨٨٠ أنه بتقدم الحضارة المدنية، فإن الصراعات البشرية ستتوجه لتكون من نوع المباريات (ألعاب) (Games) ومناظرات (Debates) ويقل فيها القتال (Fights).

اليوم بعد أكثر من ١٠٠ عام على نبوءة آموس، يقول بايبر (Pieper, 2008) أنه بالرغم من أنه القتال لم يتوقف في العصر الحالي، إلا أن القتال اصبح يميل الى الاستراتيجية أكثر من كونه جسدي. وبذلك يصبح القتال ليس مجرد عنف جسدي بل لعبة ذات عمق استراتيجي.

ماهو الصراع أو النزاع
الصراعات التي تهمنا في هذا المقال، هي الصراعات الاستراتيجية، التي سيتم تعريفها والمرور ببعض وسائل تحليلها. وهذا يستثني صراعات العلاقات الانسانية كعدم توافق فرق العمل واختلافات الموظفين، أو الخلافات الأسرية. ونستثني أيضاً الصراعات أحادية الجانب، مثل صراع الانسان بين الخير والشر، أو صراعه مع نفسه وأفكاره وماوراء ذلك.

الصراع (Conflict) ظاهرة معقدة وتعتبر من أصعب أنواع صناعة القرارات (Jeong et al., 2008). صناعة القرار يدرس في الجامعات من عدة جوانب، اخص منها المبنية على نظريات رياضية وهندسية. ومن ذلك مايهدف للوصول للحل الأمثل (Optimization) ومن المواد الشائعة في الإدارة والاقتصاد، وفي الهندسة وعلوم الادارة، مايسمى ببحوث العمليات (Operations Research) وهو علم باختصار يستخدم طرق تحليلية متقدمة لتحسين عملية اتخاذ القرارات.

تعتبر الصراعات من اصعب حالات الدراسة في اتخاذ القرارات لتعدد اهداف القرار وتعدد اصحاب القرار. صناعة القرار لفرد أو جهة واحدة لها هدف أو عدة أهداف، اسهل من تحليل وصناعة القرار في حالة وجود أهداف متناقضة من عدة خصوم لا يجمعهم بالضرورة اهداف مشتركة.

الصراع هو تناقض، التناقض قد يكون كاملاً بين اهداف طرفي الصراع وقد يكون جزئي. تحقيق الهدف في الصراع ليس بالضرورة حدي، بمعنى، ليست النتيجة ثنائية بالضرورة إما تحقيق الهدف وإما لا، بل تحقيق الهدف قد يكون جزئي والدافع للاستمرار في محاولة الوصول للهدف متغير حسب القرب والبعد من الهدف. وبناءً عليه هناك درجات أو مستويات للوصول للهدف وبهذا يمكن أن يحصل تقاسم بين المتخاصمين في الصراع. حيث يحقق كل منهم جزء من مراده ويقبل التنازل عن جزء اخر في سبيل انهاء الصراع.

الخصوم في الصراع قد يكونوا افراد، أو شركات، منظمات، حكومات .. الخ. أو مجموعات من واحد او اكثر من الانواع السابق ذكرها. الصراع الاستراتيجي، هو حالة الصراع بين طرفين أو أكثر لكل واحد منهم القدرة على اتخاذ قرار واحد على الاقل.

طرق التمثيل الرياضي

في الرياضيات التطبيقية، يندرج التمثيل الرياضي للصراعات تحت نظرية الألعاب أو المباريات (Game Theory) وتحديداً تحت فرع نظريات الألعاب غير التعاونية (Non-Cooperative Game Theory). التمثيل الرياضي أو النموذج الرياضي (Mathematical Model) للصراعات ولأي ظاهرة طبيعية، هو ملخص للظاهرة يهتم بالعناصر الرئيسية للنزاع وتفاعلات هذه العناصر وديناميكيتها وصولاً للحل أو الحلول الممكنة. هناك عدد من النماذج الرياضية لمحاكات حالات الصراع والتفاوض والمنافسة، ولها تطبيقات اقتصادية وتجارية وسياسية واجتماعية. لكل نموذج مميزات وعيوب وبعضها يتفوق في حالات دون أخرى.

باستخدام النظرية الكلاسيكية للالعاب (Classical Game Theory) يمكن تمثيل الصراعات عن طريق يسمى (Normal form) وهو عبارة عن مصفوفة صغيرة تمثل الأعمدة فيها استراتيجية طرف والصفوف الطرف الآخر. كل خانة مقابلة في المصفوفة تعبر عن قيمة المنفعة لكل طرف حسب استراتيجيات العمود والصف المقابلة.

الطريقة الثانية يمكن تعريبها باسم “النموذج الموسع” أو “النطاق العريض” وهو معروفة علمياً باسم (Extensive form) وتشبه بالرسم الشجري حيث يتفرع من كل قرار كل ردود الفعل الممكنة للخصوم حتى الوصول لاصغر قرار ممكن. هذه الطريقتين تم تقديمها وتعريفها رياضياً بواسطة عالم الرياضيات ڤون نيومان وعالم الاقتصاد مورجنستيرن (Von Neumann and Morgenstern, 1944) في كتابهم الشهير الذي وضعوا فيه أصول نظريات الألعاب باسم نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior).

وهناك نموذج القرار (Option form) الذي اقترحه هوارد (Howard, 1971) في كتابه معضلات (أو مفارقات) العقلانية: الألعاب والألعاب “التتابعية” والسلوك السياسي (Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior) وهو يتيح مميزات منها العرض الكامل للصراع في جدول صغير مقارنة بالنموذج الموسع، بالإضافة لعدم اعتماده بالضرورة على قيمة المنفعة (Utility Value). وهوارد عمل مستشاراً عسكرياً واقتصادياً ومستشاراً لصراعات في قضايا بيئية. وله نظريات اخرى لاحقة للتعامل مع الصراعات أهمها نظرية الدراما (Drama Theory) المختصة بتحليل المواجهات (Confrontation Analysis).

وهناك نوع أخير لتمثيل الصراعات، وهوأكثرها مرونة لتمثيل حالات مختلفة وعامة للصراعات، مايسمى بالنموذج الرسومي لحل الصراعات (The Graph Model for Conflict Resolution). بالرغم من أن بعض الأبحاث التي اقترحت فكرة النموذج الرسومي صدرت في الثمانينات الميلادية إلا أن أول كتاب صدر عام ١٩٩٣ بواسطة فانج وهايبل وكيلجور (Fang, Hipel, and Kilgour, 1993)، في كتاب اسمه صناعة القرارات التفاعلية: النموذج الرسومي لحل الصراعات (Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution).

فانج يعمل الآن أستاذاً للهندسة الصناعية بجامعة رايرسون (Ryerson University)، وهايبل أستاذاً في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو (University of Waterloo)، وكيلجور أستاذاً للرياضيات التطبيقية في جامعة ويلفرد لورييه (Wilfrid Laurier University). وجميها جامعات كندية تقع في مدن متقاربة. ومازالوا يعملون سوياً ضمن مجموعة بحثية في قسم هندسة تصميم النظم بجامعة ووترلو. يتميز النموذج الرسومي لحل النزاعات بأن يقدم الصراع على طريقة تحاكي لعبة الشطرنج. تشاهد في الرسمة تحرك اللاعب والتحرك المضاد. ويتميز بالمرونة في تمثيل أنواع مختلفة من التحركات تمثل قرارات استراتيجية مختلفة.

تحليل الصراعات
هناك عدة انواع لتحليل النزاعات، إما للوصول لحل للنزاع أو لاتخاذ قرارات سليمة اثناء حدوث الصراع. تعتمد طرق التحليل على طرق التمثيل الرياضي والرسومي المذكورة اعلاه. فلكل نوع طرق معينة للتحليل تتشابه وتشترك في المعنى بشكل كبير، وان كانت احياناً تختلف في تعريفها الرياضي. بعضها بسيط وسهل شرحه والاخر قد يكون معقداً الى حد ما.

احدى طرق التحليل أن تبحث عن ما اذا كانت هناك استراتيجية مهيمنة (Dominant) تمنح اللاعب أو متخذ القرار وضعاً أفضل مقارنةً بجميع استراتيجياته الأخرى. وهناك طرق أخرى تعتمد اكثرها على رؤية عدة خطوات في المستقبل. مثلاً، يحدد متخذ القرار النقطة المستقبلية التي يريد أن يصل اليها، ثم يعود للخلف ليرى ماهو الطريق الذي يقوده لها (Look forward and reason backward). وهناك الحل الشهير لجون ناش (John Nash) المعروف باسمه اتزان ناش (Nash Equilibrium) والذي يقول أن متخذ القرار مستقر في موقعه اذا لم يوجد له خيار أفضل.

مفهوم الاستقرار أو (Stability) في تحليل الصراعات هو قلب عملية التحليل والنمذجة الرياضية. هو النتيجة التي يبحث عن دارس الصراعات. يتم البحث والتحليل عن نقاط الاستقرار لكل متخذ قرار على حدة. ثم البحث عن النقاط التي يكون فيها جميع اللاعبين مستقرين وتسمى نقاط اتزان (Equilibrium Points) وهي تمثل حلول ممكنة للنزاعات. ليست بالضرورة أن تكون نقاط الاتزان مرضية لجميع الأطراف لكنها حسب ديناميكية الصراع تعتبر نقاط جامدة لايستطيع الخصوم التحرك منها.

خاتمة
المعلومات المذكور هنا تعطي فكرة مبسطة عن تحليل ونمذجة الصراعات ولاتعرض بالضرورة كل الانواع الموجودة. والاهتمام هنا محصور في الجانب الاستراتيجي دون جانب العلاقات الانسانية الذي يختلف مجاله عن التحليل الرياضي. ينقص هذا المقال أمثلة توضيحية للمفاهيم المذكورة. ربما اكتب تدوينات قادمة تكون كل واحدة مخصصة لمثال واحد حيث أن كتاب المثال الواحد طويلة وتتطلب فهم لخلفية النزاع سواءً كان منافسة تجارية، أو صناعية في قطاعات مثل الطاقة، أو بيئية. حيث أن الأمثلة المنشورة تطبيقتها في أوراق علمية كثيرة لاحصر لها.

المصادر مرتبة حسب ورودها في التدوينة

Rapoport, A. (1974). Fights, Games, and Debates. A publication from the Center for Research on Conflict Resolution, The University of Michigan. University of Michigan Press.

Amos, S. (1880). Political and Legal Remedies for War. Harper & Brothers, Franklin Square, New York.

Pieper, C. (2008). Decision theory and game theory. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict (Second Edition), pages 546 – 557. Academic Press, Oxford, second edition edition.

Jeong, H.-W., Lerche, C., and Susnjic, S. (2008). Conflict Management and Resolution. In Kurtz, L., editor, Encyclopedia of Violence, Peace, and Conflict, pages 379 – 390. Academic Press, Oxford, second edition.

Von Neumann, J. and Morgenstern, O. (1944). Theory of Games and Economic Behaviour (Commemorative Edition). Princeton University Press.

Howard, N. (1971). Paradoxes of Rationality: Games, Metagames, and Political Behavior. MIT Press, Cambridge, Massachusetts.

Fang, L., Hipel, K. W., and Kilgour, D. M. (1993). Interactive Decision Making: the Graph Model for Conflict Resolution. Wiley, New York.

المخاطر الاستراتيجية

المنظمات والمؤسسات بل حتى الدول تقيم مخاطرها التقليدية لتتجنب اثارها السلبية أو التقليل منها في حال حدوثها. ما الفرق اذاً بين المخاطر الاستراتيجية والمخاطر العادية أو التقليدية؟

المخاطر التقليدية تقع ضمن أطر ممنهجة ومعروفة لدى الجهة المتعرضة للخطر. وغالباً تقع ضمن خانة المخاطر المتكررة التي قد تؤثر على الارباح أو النمو لفترات محدودة أو قصيرة تتبع دورات زمنية معينة. المخاطر الاستراتيجية، على الجانب الآخر، مخاطر مجهولة، غير ممنهجة، لايمكن غالباً استيعابها أو تقديرها ضمن منهجية أو نمذجة واضحة. وفي حالة حصول هذه الأحداث المؤثرة استراتيجياً على المنشأة أو المنظمة، فإنها قد لاتعاني انخفاضاً زمنياً أو وقتياً في أرباحها، بل قد يقضي هذا الخطر عليها بالكامل، بتعريض هذه المنشأة للافلاس، وتسريح كل الموظفين، أو قد يعرض بلد ما لمأساة اجتماعية وانسانية غير قابلة للتصحيح او التراجع عنها.

البنوك والمؤسسات المالية من أكثر من يعير للمخاطر اهتمام لكثرة تعامل البنوك مع شتى انواع العملاء والفرص الاستثمارية. فتستخدم اطر منهجية مبنية على معادلات رياضية خلف برمجيات حاسوبية يستخدمها موظفي البنوك لتقدير مخاطر الاستثمار مبنية أحياناً على تقارير اقتصادية ومالية تنتجها بعض شركات التقييم الائتماني مثل ستاندرد اند بورز. وتستخدم البنوك بعض السياسات لتقليل تعرضها للمخاطر، مثل التأمين على القروض الممنوحة، واستخدام شروط للتمويل مثلاً وجود وظيفة وراتب لطالب التمويل، او الاطلاع على التدفق النقدي للمؤسسات والشركات وأصولها المالية التي يمكن عن طريقها تعويض قرض البنك في حالة العجز عن السداد. تضع الحكومات شروطاً أحياناً على تمويل البنوك حماية لاقتصادتها من توسع القروض الخطرة من ناحية ضعف احتمالية السداد.

مثال اخر بعيد عن المخاطر المالية، يوجد في اليابان معهد أبحاث الوقاية من الكوارث، بجامعة كيوتو، وهو أكبر مركز بحثي في حماية الكوارث في آسيا، استطاع اليابانيون التخطيط الممتاز للتعامل مع مخاطر الزلازل والبراكين وموجات تسونامي ضمن مايقع ضمن اطار المتوقع حسب حصوله تاريخياً. ومايتكرر من هذه الكوارث ضمن هذه النماذج والأطر، غالباً يصاحبه القليل من الأضرار يمكن تجاوزها ضمن دورات زمنية قصيرة. لكن في عام ٢٠١١ حصلت كارثة لم يحسب لها حساب، وقد استمعت في محاضرة عامة للدكتور نوريو أوكادا–وهو رئيس سابق لمعهد أبحاث الوقاية من الكوارث بجامعة كيوتو–وهو يقول بأن ماحصل فاق سوءاً أسوأ ماتوقعنا احتمالية حدوثه (worse than the worst case scenario). أي أن حجم الكارثة أكبر من مماتخيل علماء المعهد أنه محتمل. زلازل عظيمة في البحر فاقت كل توقعات نماذج احتمالات الخطر المؤطرة، وسببت كارثة اثارها لايمكن محوها الى اليوم. تسبب بمقتل مايزيد على خمسة عشر الف شخص، ونزوح اكثر من مئتي الف عن منازلهم، واجبار العديد على الهجرة لمناطق أخرى بشكل دائم. وأجبرت اليابان على اعادة تقييم استخدامها للطاقة النووية بسبب الرعب الذي حصل من التسريب الاشعاعي وكارثة مفاعل فوكوشيما داييتشي.

المخاطر الاستراتيجية لاتجد تقديرها من ضمن المهام اليومية للعاملين أو الباحثين. يقول نسيم طالب في كتابه “The Black Swan: The Impact of the Highly Improbable” أن المخاطرة نادرة الحدوث وغير المتوقعة هي أكبر مؤثر في التاريخ.

عندما حصلت أزمة الرهن العقاري التي بدأت في أواخر عام ٢٠٠٧ وامتدت لعام ٢٠٠٨. تسببت الكارثة بانهيار اقتصادي في الولايات المتحدة نتجت عنه خسارة خمسة تريليون دولار من صناديق التقاعد والادخار، ومن قيمة السوق العقارية، وفقد ثمانية ملايين وظائفهم، و فقد ستة ملايين بيوتهم التي عجزوا عن سداد قروضها، تخيل هذا فقط في الولايات المتحدة. وفي الوقت الذي فشلت فيه الجهات التشريعية والمؤسسات الأمريكية المالية كما اعترف الرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي ألان جرين سبان، في حديثه للجنة الكونجرس، عن في التنبؤ ورؤية الكارثة قبل وقوعها. بل حتى البنوك الأمريكية الضخمة بخبراءها الماليين فشلت في استشراف حصول الكارثة. طبعاً هناك من تنبأ واستشرف حدوث الكارثة بأعوام (انظر كتاب The Big Short: Inside the Doomsday Machine) لكن لم يستمع لهم الاعلاميين ولم تعر البنوك ولا مؤسسات التصنيف المالي أي اهتمام لتحذيراتهم كونها مخاطر (لم تحدث مسبقاً في التاريخ). يحكي كتاب The Big Short قصة عدة اشخاص استشرفوا حصول أزمة الرهن العقاري مبكراً، وبطرق مختلفة. أحدهم تنبأ بالخطر عن طريق قراءة تحليلية للأرقام التفصيلية للديون والاجراءات المتعلقة بالحصول عليها، التي غالباً لايقرأها أحد بهذا التفصيل. آخرين تنبهوا لذلك عندما لاحظوا تراخي البنوك في اجراءاتها للاقراض وتوسعها في الاقراض الخطر لتحقيق الأرباح السريعة. ومن القلة الذين استشرفوا الكارثة المالية استفادوا كثيراً وربحوا بلايين الدولارات من خسارة الاقتصاد الامريكي.

لاشك أن حدوث المخاطر الاستراتيجية ليس متعلقاً فقط بحوادث أو كوارث طبيعية لادخل للانسان بها. بل كثيراً ماتكون نتيجة سوء إدارة للمؤسسة أو المنظمة سواء كانت مالية، صناعية، أو غيرها. وتأثير هذه المخاطر ليس بمعزل في مجال واحد، فقد يمتد الخطر الاقتصادي الى تأثيرات اجتماعية غير قابلة للتصحيح. لاسيما نقص الغذاء وانتشار الأوبئة وفقدان الطاقة وانهيار البنية التحتية. الطبيعة المترابطة للتأثيرات السلبية والإيجابية تعني أن أي تحرك أو عدم تحرك من أحد اللاعبين قد تكون له عواقب ليست بالضرورة ضمن الاطر المعروفة والتقليدية للخطر.

التعرض للمخاطر الاستراتيجية، بعضه يمكن حسابه وتقديره كما حصل في أزمة الرهن العقاري، لكن المؤكد أن لايوجد نموذج رياضي معين لتقديره. يسخر نسيم طالب في كتابه “Antifragile: Things That Gain from Disorder” من البنوك والمؤسسات المالية التي دفعت له وطلبت منه وضع اطار ونموذج رياضي تقليدي محدد لقياس المخاطر غير التقليدية بعد شهرة كتابه السابق “The Black Swan” الذي كان جله حول عدم امكانية نمذجة وقياس المخاطر الاستراتيجية غير التقليدية بالطرق التقليدية. فقد طلبوا منه طريقة تقليدية لقياس المخاطر التي شرحها بكونها غير تقليدية وغير قابلة للنمذجة ضمن الأطر المعروفة.

يتطلب التعامل مع المخاطر الاستراتيجية كثيراً من الحكمة والرؤية المستشرفة وقوة الملاحظة للأخطاء الكارثية والعصامية العلمية التي لاتعتمد بالضرورة على السائد بل التفرد الذي يوافق المألوف ويخالفه بنظرة متجردة عن هالة العظمة وبعقلية متشككة في كل ماهو ظني ومحتمل رفعه الزمن والتكرار الى خانة الحتمي، ونظرة منطقية ترى التفاصيل الصغيرة وتأثيراتها ضمن الصورة الكبرى المترابطة للعوامل المؤثرة والمتغيرة. وكلما زاد تصديقنا واعتقادنا بثبات الواقع كلما كان وقع تغيراته أشد وآلم.

نظريات اللعب (Game Theory)

توفي جون ناش (John Nash) يوم السبت ٢٣/مايو/ ٢٠١٥، وهو عالم رياضيات معروف بمساهماته في نظريات اللعب حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام ١٩٩٤ بالشراكة مع سلتن وهارساني (Reinhard Selten and John Harsanyi) اللذين أيضاً لهما مساهمات في نظريات اللعب. ومن اللطيف ذكره انه في نفس العام ١٩٩٤ فاز ياسر عرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين بنوبل للسلام.

يظن البعض أن جون ناش هو واضع لأصول نظرية الألعاب أو اللعبة Game Theory. الحقيقة أن لناش تطوير كبير في نظريات اللعب وإيجاد حلول رياضية لها. بينما أول تمثيل رياضي للنظرية صدر في كتاب عنوانه نظرية الألعاب والسلوك الإقتصادي (Theory of Games and Economic Behavior) والذي صدر عام ١٩٤٤ لعالم الرياضيات جون ڤون نيومان (John von Neumann) وعالم الإقتصاد أوسكار مورجنستيرن (Oskar Morgenstern).

قبل الحديث عن ماهية نظرية الألعاب أو اللعبة أو نظريات اللعب أو المباريات (Game Theory), احتياري في الترجمة العربية نابع من عدة أمور. هذا العلم مكتوب في الأساس باللغة الإنجليزية بالصيغة (Game Theory) والتي قد توحي بوجود نظرية واحدة عامة. الحقيقة أنه هناك عدد من النظريات تتحدث عن الموضوع.

ماهي الألعاب المقصودة؟ ربما نسمع أحياناً في مقر العمل من الزملاء أو الأصدقاء “فلان لعبها صح” يشيرون بذلك لشخص عمل لصالح نفسه بشكل استراتيجي ولم تظهر النتيجة مبكراً في خطوة واحدة بل في عدة خطوات حتى وصل لما يريد. أحياناً نقولها عن شركة أو دولة.

نظرية الألعاب هي مجموعة نماذج رياضية لتمثيل القرارات التفاعلية. ماهي القرارات التفاعلية؟ ولماذا سميت بالألعاب؟

اتخاذ وصناعة القرار أنواع عدة، تختلف باختلاف عدد الاهداف وعدد المشاركين في صنع القرار. تخيل الألعاب الاستراتيجية، مثل لعبة الشطرنج أو الكيرم أو البلوت. هناك عدة لاعبين (اثنين على الأقل) القرار أو الاستراتيجية التي يتخذها كل شخص تتأثر باستراتيجيات خصومه. اللاعب الماهر هو الذي يستطيع أن يستشرف عدة خطوات مستقبيلة في اللعبة. فتجد لاعب البلوت الماهر يتوقع استراتيجيات خصمه مبكراً ويطورها بعد كل جولة. أصحاب نظرية الألعاب استوحوا النظرية من الألعاب الاستراتيجية التي يكون لها أحياناً عامل الحظ مثل رمي النرد في المونوبولي أو قوة الورق بيد لاعب البلوت. وأحيانا لاتعتمد على الحظ أو العشوائية بل على الاستراتيجيات وحدها.

مثل أصحاب نظرية اللعبة بشكل رياضي حالات اتخاذ القرارات التي لها اثنين أو اكثر من اللاعبين أو متخذي القرار. لذلك للنظرية تطبيقات كثيرة في الاقتصاد والسياسة والمنافسة والمفاوضات والصراعات ومجالات الصناعة والطاقة والخدمات، بل لها تطبيقات غير محدودة تستخدم حتى في فهم بعض السلوكيات الاجتماعية.

النموذج الرياضي للنظرية بالطبع لا يمثل كل الواقع كما هو، إنما حاله كحال كل النماذج الرياضية، يهتم بتمثيل العناصر الرئيسية التي نظن أنها مؤثرة في الظاهرة، وأهم عناصر الألعاب هي متخذي القرارات (اللاعبين Players) خياراتهم(Options or Strategies)، ورغباتهم أو تفضيلاتهم (Utility Values or Preferences).

جون ناش، كان من ابداعه أنه اقترح طرق لتحديد الاستراتيجيات المتوقعة للاعبين بناءً على العقلانية (Rationality) وإيجاد نقاط اتزان أو حل للعبة (Equilibrium Points). من عجائب إنجازاته أنه قام بها بالرغم من مرضه العقلي حيث أنه كان مصاب بانفصام في الشخصية، وهي حكاية مروية في فلم مستوحى من حياته اسمه عقل جميل (A Beautiful Mind). جون ناش قبل وفاته كان ربما أعظم المنظرين في نظرية اللعب، وله انجازات علمية مختلفة حتى خارج مجال نظرية الألعاب.

كثير من القرارات اليوم ليست بالضرورة مبينية على حلول مثالية لرغبة فردية، إنما القرارات التفاعلية حاصلة شئنا أم أبينا. مثلاً، انظر إلى أسعار تذاكر شركات الطيران العالمية. هل السعر ثابت يمثل التكلفة مع هامش الربح؟ بالطبع لا، السعر يتغير أخذاً بعين الاعتبار حالة السوق وسلوك المنافسين. القرارات اليومية للشركات الكبيرة التي تبيع البضائع الاستهلاكية، عروضها الترويجية، السياسات التسعيرية، التعامل مع منافس جديد، هل يتم تخفيض السعر بخسارة لإخراج منافس جديد من السوق مثلاً؟

السياسات الحكومية، الاقتصادية والسياسة الخارجية. السعودة مثلاً ماهو تأثيرها المتوقع على الاقتصاد، ماهي ردة فعل التجار؟ كيف نرد على ردة فعلهم؟ تصميم السياسات باحترافية يمكن أن يستفيد بشكل كبير من نظريات اللعب.

من الأمثلة التي حصلت قبل فترة، قرار السعودية في إعلان وزير البترول السعودي عدم تخفيض انتاج النفط بالرغم من تهاوي الأسعار. البعض رآها مصيبة، والبعض رآها حكمة. عدم تخفيض الإنتاج يعني استمرار تهاوي الأسعار مما يضر بالمدخول المالي للبلاد. ربما تخفيض الانتاج سيرفع الاسعار على المدى القصير، وربما يهوي بها على المدى الطويل، وسيخفض حصة المملكة من سوق النفط. الحفاظ على مستوى الإنتاج ساهم في تهاوي السعر على المدى القصير، ضغط على المنتجين الجدد عالي التكلفة وربما أخرج بعضهم من السوق، وضغط لخفض الاستثمار في استكشاف مكامن النفط على مستوى العالم، ربما هذه الاستراتيجية لم تؤدي لتعافي الأسعار، لكنها حافظت على الحصة السوقية للملكة في سوق النفط، وربما تساهم الاستراتيجية في تعافي الأسعار على المدى الطويل. يعتمد كله على ردة فعل اللاعبين الآخرين واستراتيجياتهم. مثلاً، عودة ليبيا والعراق لإنتاجهم الطبيعي ستساهم في خفض الأسعار. وكذلك رفع العقوبات الإقتصادية عن إيران، لذلك هناك أهمية متزايدة للحفاظ على حصة السوق. أيهما أفضل الحفاظ على الحصة السوقية أو الحفاظ على السعر؟ لايوجد جواب جاهز لكن استراتيجيات مختلفة يمكن تحقيق بعض من هذا وذك.

فهم نظريات واستراتيجيات اللعب ليست بالضرورة حصر على المتخصصين بل مفيدة لكل إنسان. هناك كتب لغير المختصين لتطوير استراتيجيتهم حتى في التعامل مع الأبناء! قرأت مرة أن الأطفال في بعض الأحيان يفوقوا في الدهاء الاستراتيجي والديهم. تعليم نفسك المهارات الاستراتيجية بفيدك في وظيفتك في بيتك في علاقاتك الاجتماعية، بالرغم من أني لا أظن بأن أصدقاءك وأقرباءك سيكونون سعيدين بانتصارك عليهم في كل مرة.

ذكرت في بداية المقال أن ياسرعرفات وشمعون بيريز وإسحاق رابين حازوا على نوبل للسلام في نفس العام الذي حصل فيه جون ناش على نوبل في الاقتصاد، لو نظرنا اليوم، من منهما كان المفاوض الأدهي استراتيجياً؟

لا شك أن العرب من أحوج الناس لتطوير استراتيجياتهم وسياساتهم لاسيما مع كثرة الصراعات في منطقتنا. هناك العديد من النظريات والنماذج الرياضية المبينية على نظرية اللعب يمكنها المساعدة في الوصول لحلول للصراعات والحروب ورسم استراتيجيات للتدخل الحكيم والعقلاني.

قبل الختام اطرح هنا اسم لكتاب مكتوب باللغة الإنجليزية أظن أنه يقدم شرحاً جيداً ومبسطاً لكثير من المفاهيم الاستراتيجية المستوحاة من نظريات اللعبة، يمكن لأي شخص قراءته.:
Thinking Strategically: The Competitive Edge In Business Politics And Everyday Life
by Avinash K Dixit and Barry J Nalebuff